Ficool

Chapter 2 - ظلال جبل كَرْدون

في بعض الأماكن، لا تولد القيادة من القوة… بل من الصمت الذي يسبق العاصفة.

 

كانت قبيلة آل تَمران تعيش في حضن جبل كَرْدون، حيث تمتد الأرض بين السهل والجبل كما لو أنّ الطبيعة اختارت هذا الموضع لتودع فيه طمأنينتها. هناك، كانت الصخور العتيقة تراقب البيوت الحجرية والطينية المتلاصقة، كأنها تحرسها منذ أزمانٍ لا تُحصى. جنوبًا، تنبسط الحقول الخضراء، تسقيها الينابيع الموسمية، وتثمر كل عام بكرمٍ لم تعرفه القبائل المجاورة، فيما كانت بساتين التين والرمان تحيط بالقرية، تنشر في الهواء رائحة حلوة تختلط بتراب الأرض الدافئ.

في الصباحات، كان المشهد يتكرر بانتظامٍ مريح:

الرجال يخرجون مع أول ضوء، بعضهم نحو الحقول، وبعضهم نحو الصيد، يحملون أقواسهم وسكاكينهم بثقة من يعرف أرضه. النساء ينشغلن بالخبز، بدقّ القمح، وبترتيب شؤون البيوت، وأصواتهن تختلط بزقزقة العصافير. أما الأطفال، فكانوا يركضون في الساحات بلا خوف، يضحكون وكأن العالم لم يعرف يومًا معنى القلق.

عاشت القبيلة بانسجامٍ طالما أثار غيرة من حولها. لم تكن الخلافات تتجاوز يومها، ولم يكن الظلم يجد له مكانًا دون حساب. الشيخ يُطاع، والعرف يُحترم، والعار يُدفن في لحظته قبل أن يكبر. لم تكن قبيلة آل تَمران الأغنى ولا الأقوى، لكنها كانت منضبطة… متماسكة… ويحكمها رجل يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.

ذلك الرجل كان آرام بن شدّاد.

لم يكن الأكبر سنًا، ولا الأشد بأسًا بين إخوته. كان الأصغر بين ثلاثة: روبيل، ونهرين، ثم هو. وحين أعلن والده اختياره قائدًا للقبيلة، خالف بذلك كل ما اعتادته التقاليد. فالقيادة، في نظر الكثيرين، كانت حقًّا ينتقل للأكبر أو للأقوى، لا للأهدأ.

لكن والد آرام لم يكن يرى بعين العادة، بل بعين التجربة.

رأى في روبيل اندفاعًا لا يعرف التراجع، وفي نهرين ذكاءً حادًا تحكمه العاطفة، أما آرام… فرأى فيه شيئًا أعمق. صفاءً في النظر، وصبرًا لا يُستفَز، وقدرة نادرة على قراءة ما يدور خلف الكلمات. كان آرام منذ صغره يستمع أكثر مما يتكلم، يراقب الوجوه، ويزن الأفعال، وكأنه يتعلم العالم قبل أن يواجهه.

وحين بلغ سن القيادة، بدأ الناس يلاحظون ما كان والده قد أدركه مبكرًا:

هيبة لا تُفرض، بل تُشع.

وحكمة لا تُكتسب، بل تُمارَس.

قبِل روبيل ونهرين قرار والده ظاهرًا، لكن في صدريهما اشتعلت نار صغيرة يوم تولّى آرام القيادة. لم تكن نار تمرد، بل نار مقارنةٍ صامتة، لم يلحظها أحد. فالأنظار كلها كانت مشدودة إلى آرام نفسه، الرجل الذي جمع بين الحزم والرأفة بطريقة لم تعهدها القبيلة من قبل.

كان صارمًا حين يتطلب الأمر صرامة؛

يُوقف النزاعات قبل أن تتحول إلى دم،

يُعاقب المخطئ بلا تردد،

ويقطع جذور الظلم قبل أن تمتد.

وفي الوقت نفسه، كان يعرف متى يلين؛

يجلس مع كبار السن ليستمع لا ليحكم،

يساعد المحتاج دون أن يذلّه،

ويربت على رؤوس الأطفال كأنهم أمانة في عنقه.

كان الناس يهابونه حين يغضب،

ويحبونه حين يبتسم،

ويثقون بكلمته كما لو أن الجبل نفسه هو من نطق بها.

حين يقف في وسط القبيلة، لم تكن العيون تتجه إليه خوفًا، بل احترامًا. النساء يقلن إن حكمه عادل، والرجال يشهدون أنه لا يظلم أحدًا، والأطفال يلتفون حوله كما يلتف الغصن حول الجذع. حتى الحيوانات كانت تهدأ إذا اقترب منها، وكأنها تشعر أن هذا الرجل لا يحمل في داخله أذى.

ومع مرور الأيام، عاشت القرية حالة ازدهارٍ نادر:

محاصيل وفيرة،

طرق آمنة،

مجالس هادئة،

وأرواح مطمئنة.

كان كل شيء يبدو مستقرًا… أكثر مما ينبغي.

ففي الغالب، تكون الفترات الهادئة الطويلة مقدّمة لعواصف لا ترحم.

في تلك الليلة، التي مرّت على الجميع كغيرها، كانت زوجته مليّة تجلس في بيتهم الصغير. نور المصباح الخافت يحيط بها، وملامح وجهها تحمل سرًّا أثقل من أن يُقال بسهولة. كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتخبر آرام بخبرٍ سيغيّر مسار حياته، ومسار القبيلة بأكملها.

خبرٌ سيكون الشرارة الأولى لرحلة

تأخذه بعيدًا عن جبل كردون،

بعيدًا عن أهله،

وبعيدًا عن كل ما ظنّه ثابتًا لا يتغير.

وفي تلك الأثناء، كان آرام يجلس في مجلس الرجال، يتحدث بهدوء عن شؤون الحقول والطرق، لا يعلم أن العالم الذي حكمه بثباتٍ لسنوات، سيتصدّع مع أول كلمة تنطقها زوجته في الغد.

More Chapters