Ficool

Chapter 6 - أثر يختفي في عين الجبل

( حين صار وحده، لم يعد العدوُّ رجالًا… بل طريقًا يعرف اسمه ويترصّده ) .

ترك أرام آخر رجلٍ من رجاله خلفه، وترك معه شيئًا أثقل من الجثث: صدى الأسماء التي لم يعد أحد ينادي بها.

كان وَبّار يسير بجانبه ملاصقًا كظلٍّ حي، كأنه فهم أن الوحدة ليست فراغًا… بل فمٌ مفتوح.

لم تعد أصوات الجبل مجرد ريح.

صار الجبل يتنفّس.

يُصغي.

ويُقرّب صخوره من طريقه كأنها أضلاع تُطبق على فريسة قبل أن تصرخ.

كان المسار المؤدي إلى مغارة العرافة واضحًا بشكلٍ يثير الريبة؛ ليس وضوح الطريق… بل وضوح “الدعوة”.

ممرٌ ضيق يلتف حول السفح كأنه خطٌّ مرسوم لرجلٍ واحد. الحصى يتدحرج مع كل خطوة، والأشجار ملتوية الجذوع تمدّ أغصانها كأصابع تحاول الإمساك بعباءته. كلما تقدّم، شعر بثقلٍ خلفه… ليس صوت خطوات، بل حضورٌ خفيّ يزن الهواء.

عند الانعطافة الأولى، انشق الصمت بصفيرٍ حاد.

لم يفكر.

انحنى كمن تعلّم أن يعيش بالحدس، لا بالمنطق.

مرّت حجارة صغيرة فوق رأسه، كأن يدًا من أعلى الحافة دفعتها في توقيتٍ لا يخطئ. ارتفع الغبار على القمة لحظة واحدة… ثم هدأ.

رفع أرام نظره.

لا أحد.

لكن الغبار لا يكذب.

ومَن يرمي حجرًا في هذا الارتفاع… لا يرميه عبثًا.

شد قبضته على مقبض سيفه، ومال بجسده قليلًا ليخفي مركزه كما تعلّم في الحروب المكشوفة. أما وَبّار فرفع رأسه فجأة وشمّ الهواء، ثم ضيّق منخريه كأن رائحة دخيلة اخترقت المكان.

قال أرام بصوت منخفض، يخاطب الفرس أكثر مما يخاطب نفسه:

«هم هنا… لكنهم لا يريدون أن يُروا.»

تابع الصعود بحذر، حتى بلغ مضيقًا صخريًا آخر. وهناك لمح شيئًا جعل قلبه يبرد:

سهمٌ عالق بين حجرتين… رأسه مكسور حديثًا.

لم يكن سهمًا من سهام آل تمران؛ لا شكل الريش، ولا طول النصل، ولا طريقة الحزّ.

كان قصيرًا، نحيف الرأس، كأنه صُنع ليقتل بسرعة… ويترك الجسد يتحدث بدل القاتل.

انحنى أرام والتقطه، قلبه يقرأ الرسالة قبل أن يقرأ الشكل:

هذا ليس تحذيرًا.

هذا “تأكيد” أنهم كانوا قريبين بما يكفي ليرموه… ثم تراجعوا فقط لأنهم ينتظرون اللحظة الأفضل.

صار كل حجرٍ احتمالًا لفخ.

وكل ظلالٍ على الجدار احتمالًا لعينٍ ترقبه.

وفي الممر الثالث، تبيّنت الحيلة الكبرى:

حبالٌ دقيقة ممدودة بين صخرتين بارتفاع الركبة… لا تراها العين المستعجلة.

أوتادٌ مدفونة تحت التراب، رأسها مصقول كأنه جُهّز ليُداس عليه.

آثار أقدام خفيفة تُمحى عمدًا، ثم تعود في موضعٍ آخر كأن صاحبها يلفُّ حول المكان ويختبره.

وقف أرام طويلًا، كأن ذهنه يراجع كل ما مرّ منذ خرج من القبيلة:

السمّ الذي أخذ ساروب، والسهم الذي أخذ يارين، والصخرة التي لم تسقط صدفة، والأيدي التي لا تُرى.

ثم قال في نفسه، بصوتٍ كأنه حجر:

«لقد ضاق الحبل من حولي… وهذا الطريق لا يريدني حيًا.»

ولأول مرة منذ بدأ الصعود، شعر بثقل الصرّة على حزامه كما لو أنها تنبض.

تذكر مليّة وهي تعطيه إياها في الليل، وتهمس:

“لا تفتحها… إلا إذا صار الموت أقرب من ظلك.”

رفع أرام رأسه.

لم ير أحدًا… لكن الهواء كان مشدودًا، كوتر قوسٍ جاهز.

عرف أن تلك اللحظة وصلت.

توقف.

حلّ العقدة.

فتح الصرّة بيدٍ ثابتة… رغم أن قلبه كان يركض.

لم يجد أعشابًا، ولا تميمة، ولا شيئًا يشبه “سحر الحكايات”.

وجد حفنة رملٍ ناعم… يميل إلى ذهبي خفيف، كأنه مأخوذ من أرضٍ لا تعرفها قبائلهم.

وبجانبها… ورقة صغيرة ملفوفة بعناية.

فتحها.

كان خط مليّة واضحًا، ذلك الخط الهادئ الذي يشبهها.

قرأ:

«انثر هذا على جسدك… وسيختفي ظلك وأثرك ورائحتك عن كل عين تتربّص بك.»

ابتلع أرام ريقه.

لم يضحك.

لم يستغرب.

فقط شعر أن زوجته كانت ترى ما لا يراه هو.

التفت حوله.

الصخور ثابتة، والسماء بدأت تغيم، والهدوء مُريب.

ثم نثر الرمل على صدره وكتفيه ورقبته… ثم على وَبّار.

كان الرمل دافئًا على غير عادة الرمال، كأنه يحمل حياة صغيرة لا تُرى.

ومع أول خطوة بعد ذلك… تغيّر كل شيء.

لم يعد الغبار يتحرك خلف قدميه.

لم يعد لصدى خطواته صوتٌ واضح.

حتى الهواء حوله صار “فارغًا” كأنه لا يصطدم بجسد.

كان يتحرك… دون أن يترك اعترافًا.

كأنه يمشي بلا أثر.

بلا ظل.

بلا رائحة.

ومع ذلك… كان حاضرًا كاملًا.

سيفه في يده، وعيناه حادتان، وقلبه يقاتل بالصمت.

اقترب من أول فخ بعد الصرّة:

آلية حجرية موضوعة لتتحسس وزن عابر حي.

مرت قدمه فوقها… ولم تتحرك.

ثم مرّ تحت موضعٍ كان سيطلق سهمًا مخفيًا… لم يُطلق.

وعند بئرٍ ضيقة كان الغطاء فيها يرتجّ ليفتح لمن يخطو فوقه… بقيت صامتة.

شيءٌ كان ينتظره… لكنه لم يعد يعرف أين يقف أرام.

شعر أرام لأول مرة منذ دخل الجبل بفسحة أمان.

لكنها لم تكن طمأنينة… كانت “هدنة”.

الهدنة التي يهبها العدو لمن يغير قواعد اللعبة.

واصل الصعود، ووَبّار ملاصق له، حتى بلغ أعلى نقطة في الممر.

وهناك… ظهر باب مغارة العرافة.

لم يكن بابًا من خشبٍ أو حديد، بل حجرٌ ضخم أملس، محفور عليه رموز قديمة لا يفهمها، لكن العين تكرهها من أول نظرة.

كأنها ليست نقشًا… بل تحذيرٌ صامت.

ضوء خافت يتسرّب من شقوق الحافة.

ودخان رقيق يخرج كأنه زفير كائنٍ عتيق.

توقّف وَبّار.

ذلك الفرس الذي لا يعرف التردد… تراجع خطوة إلى الخلف.

رفع رأسه، واتسعت عيناه، وكأن المكان أمامه ليس صخرًا… بل فمًا.

مسح أرام على عنقه، وهمس:

«اهدأ… إن خفتَ أنت، فمن يُثبت قلبي؟»

ثم تقدم، ووضع كفه على الحجر.

كان باردًا… لكنه ليس برودة الصخور.

برودة شيءٍ حيٍّ يتصنّع الجماد.

رفع رأسه إلى السماء التي تكدّست غيومها، وقال بصوتٍ يسمعه هو وحده:

«إن كان هذا الطريق لي… فلن يمنعني سوى الموت.

والموت… لم يعد يراني.»

ثم خطا نحو العتبة…

وخلفه، ظلّ جبل كردون صامتًا،

كأنه سمح أخيرًا بمرور رجلٍ واحد…

لأنه يعلم أن ما ينتظره في الداخل

أقسى من الطريق نفسها.

More Chapters