Ficool

Chapter 3 - الفصل الثاني 2 ـ الطابور نحو البوابة

الفصل الثاني 2 ـ الطابور نحو البوابة

(السنة المئة من التقويم البرجي – الجمعية رقم 13)

كان الأفق ملبّدًا بصمت ثقيل، والسماء رمادية كأنها غُطّيت بطبقة رماد لم يذره الريح. الضباب يتسلّل على مهل، يتشبّث بجدران المباني العالية وينساب بين شوارعها، فيربك النظر ويجعل كل شيء أشبه بظلٍ مهتزّ.

في الشارع الشمالي من المدينة B، احتشد طابور طويل أمام مبنى شامخ تُزيّنه الأضواء الباردة. راية فضية ترفرف فوقه، وقد نُقش عليها: «الجمعية 13 – وحدة تسجيل الدخول الأولي إلى البرج».

خطوات متتابعة تعلو وتنخفض على الأرض الرطبة، متباينة في ثقلها وسرعتها، لكنها جميعًا تسير نحو مصير واحد. وسط ذلك الطابور، كان يقف شاب ذو شعر أبيض وعينين زرقاوين صافيتين، يرتدي معطفًا داكنًا خالٍ من الشارات. يديه غائرتان في جيبيه، وحذاؤه يحدث خشخشة خافتة على الحصى المبتل. لم يكن يحاول أن يلفت الأنظار، بل كأنه يتعمّد أن يتوارى خلف الحشد.

ذلك كان إياس.

عيناه تجولان بين الوجوه:

على يمينه شاب يبتسم بثقة متعجرفة، شعره مصفوف بعناية كأن كل خصلة تفضح غروره. وعلى يساره فتاة صامتة، بعينين خضراوين باهتتين، ترتجف أصابعها وهي تشدّ على معصميها، تحدّق بالأرض كأنها تخاف أن يلتقط نظرها الهواء.

خلفهما وأمامهما، العشرات من مختلف الملامح والطباع. بعضهم يتبادل الهمسات المرتجفة، وبعضهم يثبت بصره على البوابة، يحاول إخفاء خوفٍ يتسرّب من ارتجاف شفاههم.

أما إياس، فلم يكن يراهم بأعينه فقط، بل كان يقرأ قلقهم في صمت، كأنه يسمع نبض أفكارهم جميعًا. ومع ذلك، بقي مشغولًا بنفسه أكثر منهم.

> تردّد داخلي – إياس يفكر:

في العشرين من العمر... فقط عندها يُسمح لك بدخول البرج للمرة الأولى.

لكن ليس الجميع يُدعون. البعض ينتظر الدعوة أعوامًا... والبعض لا تصلهم أبدًا.

أما أنا... فقد وصلتني أمس فقط.

أطلق زفيرًا هادئًا.

كأن البرج نفسه ينتظر لحظة معينة في حياتك... قبل أن يفتح لك بابه.

رفع عينيه نحو واجهة المبنى، حيث كانت شاشة زرقاء تعرض عبارة متكررة:

«الدهاء والهدوء هما مفتاح الصعود... لا تكن مجرد ناجٍ، كن سيد القرار.»

لم يكن البرج مجرد بناء شاهق كما يظنه الناس. لقد كان بوابة إلى عوالم أخرى، كل طابق يُسمّى ميدانًا، وكل ميدان يملك قوانينه وعجائبه. من دخل تلك العوالم عاد أحيانًا بقصص تُثير الرهبة، ومنهم من ابتلعه الصمت إلى الأبد.

سمع إياس عن مخلوقات غريبة سكنت تلك الميادين:

تنانين تسير على قدمين، إلف الظلام يطلقون سهامًا تنحني حول الزوايا، شياطين بعيون متوهجة، وأقزام بشرة أجسادهم كالفولاذ. حتى إن بعض هذه الأجناس تزاوجوا، وأنجبوا أطفالًا بقدرات مختلطة.

لكن المجتمع لم يعاملهم بازدراء أو تقديس؛ بل كأناس عاديين، لا يختلفون إلا في أجسادهم.

البشر امتازوا بالدهاء والعقل، فيما تفوقت الأجناس الأخرى في القوة الجسدية. ومع ذلك، كان هناك استثناء... وهذا الاستثناء هو البرج ذاته. فمن خلال صعود طوابقه، كان بإمكان المرء أن يتعلّم قدرات لم تولد معه أصلًا، قدرات تنتمي لأجناس أخرى.

أحس إياس بشيء يشتعل في داخله، لم يكن خوفًا، ولا شغفًا خالصًا، بل مزيجًا من الاثنين. همس لنفسه:

"كان أسلافنا يُعتبرون الأضعف... لكن شيئًا تغيّر داخل هذا البرج."

بينما كان غارقًا في أفكاره، اخترق الصوت الأجواء:

– «إياس! إلى الداخل!»

رفع رأسه، تقدم بخطوات ثابتة نحو المدخل. الأبواب الزجاجية انفتحت بانسياب، فكشفت عن قاعة بيضاء ذات سقف شاهق. في منتصفها مكتب طويل من الكريستال الأزرق، يجلس خلفه رجل أصلع بعين إلكترونية تتحرك ببطء، تراقب الداخلين كعدسة حية.

– "الاسم؟"

– "إياس."

– "العمر؟"

– "عشرون."

– "مكان الولادة؟"

– "B الشمالية."

لمع ضوء خافت من الطابعة، فخرجت بطاقة مضيئة تحمل اسمه ورمزًا برجيًا صغيرًا. إلى جانبها كُتبت الجملة: [مؤهَّل – دخول الطابق الأول].

ناوله الموظف سوارًا رماديًا بدا وكأنه مادة حية، وما إن لامس معصمه حتى التف حوله وأطبق بصرّة خفيفة. قال الرجل ببرود آلي دون أن يرفع رأسه:

– "لا تخلعه أبدًا. السوار يرسل إشارات عن حالتك الجسدية مباشرة. لحظة يتوقف... نعلم أنك لم تعد بيننا."

غادر إياس القاعة بخطوات ثقيلة، وصوتها يتردد في فراغ الصالة.

أمام عينيه، ارتفعت البوابة. ضخمة، داكنة، بلا مقبض. في مركزها دائرة حمراء تنبض ببطء، كقلب عملاق يترقب الداخلين. الأرض أمامها بدت سوداء غريبة، كأنها قُطعت من عالم آخر.

وقف إياس صامتًا، والريح تمرّ بجانبه ببطء.

"يقولون إن البرج حيّ... إنه يختار من يدخل ومن يُقصى."

"إن كنت تراني الآن... فأنا مستعد."

خطا خطوة نحو الدائرة، فانغلق حوله الضوء الرمادي بلطف، واختفى جسده في ومضة صامتة.

ثم انطبقت البوابة خلفه بلا صوت، كأن شيئًا لم يكن.

نهاية الفصل الثاني

More Chapters