Ficool

Chapter 5 - .الفصل الثالث 3 ـ المجال الأول

الفصل الثالث: المجال الأول

ظلام مطلق.

لا لون، لا صوت، لا جاذبية.

وكأن الكون كله انكمش إلى نقطةٍ واحدة… ثم انفجر منها ضوء أبيض غامر، يبتلع كل شيء.

نقطة تتسع… تتحول إلى فضاءٍ جديد.

وجد إياس نفسه واقفًا وسط مساحة لا يمكن إدراكها. بياض ناصع لا ينتمي لأي طيف، بلا جدران، بلا سقف، بلا ظلّ.

مجال لا حدود له، ساكن حد الخنق. حتى تنفّسه بدا كأنه يحدث داخل حلم.

همس مترددًا:

"أين...؟"

لكن صوته لم يرجع إليه، بل ذاب في الضوء كما يذوب الملح في الماء.

خطا خطوات مرتبكة، حتى لمح في البعيد بقعة زرقاء خافتة تتوهج وتخفت. كلما اقترب منها، شعر أن قدميه تخترقان وهمًا لا أرضًا.

كان ذلك جهازًا… أو بالأحرى حاسوبًا عملاقًا، مغروسًا في الفراغ كجذع شجرة نبتت من الضوء ذاته.

توقف أمامه، مترددًا، ثم قال كمن يخاطب كيانًا يراه ولا يراه:

"قبل أن ألمسك... سأعرف مجالك."

---

مضى وقت لا يُقاس. دقائق؟ ساعات؟ لم يعد للزمن أي معنى.

ركض، صرخ، استدار يمينًا ويسارًا، لكن لا شيء تغير. المكان نفسه، الصمت نفسه.

بل شعر أن هذا المجال... يراقبه.

وفي النهاية، عاد إلى الحاسوب. هذه المرة لم يهرب.

أمام الكرسي الضخم الذي بدا بطول طابقين، بدأ يتسلق ساقه المعدنية كطفل يتسلق شجرة عملاقة.

أنفاسه متسارعة، يديه تتزحلق من العرق، واحتكاك حذائه يصرّ على المعدن في إيقاعٍ متوتر.

خمس دقائق… عشر… حتى بلغ القمة.

جلس على المقعد الضخم، وواجه شاشة مضيئة بلغة غريبة بلا أزرار أو أدوات.

مد أصابعه بفضولٍ عفوي… لمسة واحدة فقط.

---

ضوء أبيض يبتلع كل شيء من جديد.

أغمض عينيه، رفع يده ليحميهما، وحين أنزلها… تغيّر العالم.

لم يعد في الفراغ الأبيض.

بل في ساحة كونية مفتوحة، دائرة عملاقة بحجم مدينة، تحيط بالحاسوب.

ومن حولها، تدور كواكب.

حقيقية، شاهقة، تتحرك في مدارات مقدسة، وكأن قوانين الفيزياء هنا تخضع لبرجٍ آخر.

وقف إياس مذهولًا.

الكوكب الأول: كتلة سوداء محترقة، مجرد صخرة تموت ببطء، وما إن نظر إليها حتى اجتاحه خوفٌ عارٍ لا تفسير له.

الثاني: كوكب أزرق صافٍ كالحلم، جماله ساحر، لكنه غرس في صدره حنينًا غريبًا.

"هل… عشت هنا؟" تردّد صوته داخله دون وعي.

مرّت كواكب أخرى، ثالث، رابع، خامس… كل واحد يثير شعورًا مختلفًا، حتى وصل إلى السادس: كوكب ألفا.

صغير، هادئ، وحيد… تمامًا كما يتذكره.

لكن حين رفع رأسه… رآه.

الكوكب السابع.

عالٍ فوق الجميع، يعلو الساحة والبرج نفسه.

لم يكن كوكبًا، بل شيئًا آخر.

كتلة سوداوية، أبدية، بلا ملامح، لكنه شعر أنه… ينظر إليه.

وفي اللحظة التالية، انفتحت فيه عين.

عين واحدة هائلة، صفراء، ذات بؤبؤ غريب لا ينتمي لأي كائن حي.

ارتجف جسده. حلقه جف. الدم بدأ يسيل من أنفه… ومن أذنيه.

ثم جاء الصوت.

لم يكن صوتًا واحدًا، بل آلافًا. رجال ونساء، بكاء وهمسات، عواء وترانيم… خليط لا ينتمي للزمان ولا المكان.

كان البرج نفسه يتكلم.

"قد... أتيت..."

الكلمات لم تُسمع، بل انغرست في رأسه كإبرٍ مسمومة.

ارتعش إياس، أراد أن يصرخ لكن لسانه ثقل كالصخر.

ترنّح… ثم سقط.

واختفى الضوء.

.

Thanks for reading.

More Chapters