Ficool

همس في الظلال ــــــ Whispers in the Shadows

Ibtissam_7109
7
chs / week
The average realized release rate over the past 30 days is 7 chs / week.
--
NOT RATINGS
193
Views
Table of contents
VIEW MORE

Chapter 1 - Part 1

كان المساء يغطي أزقة مدريد بضوء باهت، يتسلل عبر المصابيح القديمة، فينعكس على الأرصفة المبتلة بقطرات المطر الأخيرة. المدينة صامتة، وكأنها تحبس أنفاسها، تنتظر شيئًا لم يعرف أحد ما هو.

وقفت صوفيا بيلمونتي عند حافة الزقاق، تنظر إلى الجثة الممددة على الأرض. كان جسد الرجل خاليًا من أي حركة، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، وكأنهما تحاولان إيصال رسالة أخيرة قبل الموت.

لم تتجهم صوفيا، ولم تظهر أي علامات رهبة أو خوف. عينان بنيتان ثابتتان، وفكر حاد يتلمس كل تفصيلة صغيرة. ارتدت قفازها الأسود، وألقت نظرة دقيقة على معطف الضحية، على الحذاء، على بقع الدم الباهتة. كل شيء كان مرتبًا بشكل مثالي، بلا أي علامة على مقاومة، وكأن الجريمة كانت معدّة بعناية من شخص يعرف كل قواعد اللعبة.

اقتربت أكثر، مسحت الأصابع على حافة الرقبة. نقطة صغيرة داكنة، بالكاد تُرى.

"حقنة"

همست لنفسها، بنبرة هادئة، باردة، وكأنها مجرد ملاحظة طبيعية ضمن سلسلة من الأحداث اليومية.

رفع الطبيب الشرعي حاجبيه، يحدق فيها.

«لاحظتِ شيئًا؟»

أشارت بإصبعها دون ان تستدير له.

«مادة سامة سريعة المفعول، موت بلا ألم.»

سكت الطبيب للحظة، ثم قال

«محترف، لا يخطئ.»

صمتت صوفيا، تسمح لكل كلمة أن تستقر في ذهنها.

كانت تعرف أن لكل جريمة توقيعها الخاص، وأن هذا التوقيع يكشف الكثير عن الجاني شخصيته، خبرته، حتى حالته النفسية في اللحظة التي ارتكب فيها الجريمة.

بدأ المطر يتساقط من جديد، خفيفًا، يرشّ الشوارع والأرصفة، لكنه لم يخفّف من برودة الجو.

صوفيا رفعت يدها لمسح الماء عن وجهها، ثم نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم.

«لماذا كل شيء يبدو مرتبًا جدًا؟»

همست، وكأنها تتحدث مع المدينة نفسها.

اقترب الضابط المسؤول عنها، مترددًا، وسأل

«هل تعتقدين أنه كان يراقب المكان؟»

أجابت بلا تردد

«ليس مراقبة بل تخطيط، كل شيء مدروس مسبقًا المكان، الوقت، وحتى الطريقة التي سأكتشف بها الجريمة.»

بدأت تمشي حول الجثة، تقف، تنحني، تلمس شيئًا، ثم ترتفع مرة أخرى كل خطوة كانت محسوبة، كل حركة مليئة بالتفكير العميق.

كان هناك شيء آخر يثير فضولها رسالة صغيرة، مخفية بين يد الضحية، مكتوبة على ورقة ممزقة.

أخذت الورقة بعناية، فتحتها، وقرأتها بصوت خافت

«كل شيء يُرى لكن ليس كل شيء يُفهم.»

ابتسمت ابتسامة ضعيفة، لم تكن فرحًا ولا سخرية، بل شيء أشبه بالاعتراف.

«رسالة من الجاني؟ أم تحذير؟»

همست لنفسها

بدأت تكتب ملاحظاتها على دفترها الصغير، تكتب كل ما تراه، موضع الجثة، الزوايا، قطرات الدم، العلامات على المعطف، وحتى زاوية سقوط الورقة. كل تفصيلة، مهما بدت صغيرة، قد تكون دليلًا على شخصية القاتل.

ثم سمعت صوتًا بعيدًا كانت خطوات تتقارب.

رفعت عينيها، لا تعرف إن كان شخصًا من الشرطة أم متطفلًا، لكنها لم تُظهر أي توتر بل وقفت بثبات، عينان لا تكذبان، تنتظر أن يصل الصوت.

عندما اقترب الضابط، قال

«لقد جاء فريق التحليل، سيأخذون عينات، الصور و كل شيء.»

أومأت صوفيا برأسها، لكنها لم تلتفت كانت تفكر فقط في التفاصيل، في الأنماط، في توقيت كل خطوة قام بها القاتل.

جلست على صندوق خشبي بجانب الزقاق، أخرجت كاميرا صغيرة، وأخذت عدة صور للجثة وللمكان المحيط. كانت تعلم أن كل صورة تحمل أكثر من مجرد صورة؛ هي مفتاح لفهم عقلية الجاني

ثم فتحت حقيبتها و أخرجت دفترها، وجلست تكتب

توقيت العثور على الجثة: 20:45 مساءً

المكان: زقاق ضيق بين مبنيين قديمين

الطريقة: حقنة سريعة المفعول، لا آثار مقاومة

ملاحظات: كل شيء مرتب، لا فوضى، رسالة مختصرة مخفية في اليد

أغلقت الدفتر، تنفست ببطء، ثم نهضت.

كانت تعرف أن كل هذه التفاصيل لا تكفي لوحدها؛ عليها أن تربطها بالأحداث السابقة، وأن تحاول فهم من يستطيع أن يرتكب مثل هذه الجريمة، وما هي دوافعه.

بدأت تتنقل بين الأماكن القريبة، تفحص كل زاوية، كل نافذة، كل باب مهجور. كانت المدينة كأنها كتاب مفتوح، لكنها تعرف أن القاتل ربما قرأ كل صفحة قبلها.

مع مرور الوقت، بدأ الظلام يزداد كثافة.

صوفيا أخرجت هاتفها، أرسلت رسالة قصيرة لرئيسها في القسم

«جريمة معقدة، التوقيت مثالي و طريقة التنفيذ محترفة، سأتابع المسار المحتمل للجاني.»

ثم أغلقت الهاتف ونظرت مرة أخيرة إلى الزقاق.

في قلبها شعور غريب شعور بأن هذه الجريمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وأن وراءها شخصية ذكية، حادة، وربما خطيرة جدًا.

ابتسمت صوفيا لنفسها، رغم برودة الليل وظلام المدينة

«لا بأس، لن أرتاح إلا عندما أفهم كل شيء.»

رفعت صوفيا ياقة معطفها قليلًا حين اشتدّ الهواء البارد في الزقاق، ثم عادت بنظرها إلى الأرض. كانت هناك تفصيلة لم تعجبها، تفصيلة صغيرة، لكنها كافية لتُبقي عقلها مستيقظًا.تقدمت للامام بخطوة واحدة ثم انحنت.

كان هناك أثر حذاء لم يكن واضحًا تمامًا، لكنه لم يكن عشوائيًا أيضًا، كان على مسافة محسوبة من الجثة، لا قريبًا بما يكفي ليبدو أثر الضحية، ولا بعيدًا بحيث يُعدّ مجرد أثر عابر. حدّقت فيه طويلًا، كأنها تحاول أن ترى الشخص الذي تركه.

تمتمت

«كنت واقفًا هنا لتراقب.»

أخرجت مصباحًا صغيرًا من جيبها، وسلطت الضوء على الأثر. النقشة العميقة في النعل تشير إلى حذاء فاخر، مصنوع بعناية، وليس من النوع الذي يرتديه رجل عادي. زاوية الانغراس في الأرض توحي بثبات، لا ارتباك، وكأن صاحبه لم يكن في عجلة من أمره.

قال الضابط من خلفها

«هل وجدتِ شيئًا؟»

لم تلتفت.

«وجدتُ شخصًا لا يخاف.»

اقترب خطوة.

«ماذا تقصدين؟»

أجابت بهدوء

«الناس العاديون يتركون آثارًا فوضوية حين يرتكبون جريمة لكن هذا وقف ثابتًا. كأنه لم يكن يخشى أن يُكتشف.»

سكت الضابط، بينما كانت هي لا تزال تحدّق في الأثر.

ثم فجأة نهضت و نظرت حولها ببطء، كأنها ترى المكان لأول مرة. النوافذ، السلالم المعدنية، الحاويات، المصابيح كل شيء بدا عاديًا، لكن إحساسًا داخليًا أخذ يتمدد في صدرها، إحساس انها المراقبة.

ذلك الشعور القديم الذي تعلّمته من سنوات العمل شعور بأن العيون قد تكون عليك حتى حين لا ترى أحدًا.

رفعت رأسها نحو سطح أحد المباني.

«صوته؟»

«مشوّه كأنه يستعمل جهاز تغيير الصوت.»

ساد الصمت، عادت صوفيا تنظر إلى الجثة ثم إلى الأثر

ثم إلى الورقة، قطّبت حاجبيها قليلًا.

لتهمس

«إذن هو لم يهرب.»

قال الضابط

«ماذا؟»

أجابت ببطء، وكأنها تفكّر بصوت مسموع

«الجاني لم يقتل ويغادر فقط بل اتصل أيضًا ليبلّغ،هو أراد أن تنكشف الجريمة.»

ارتبك الضابط.

«لكن لماذا يفعل ذلك؟»

نظرت إليه ولأول مرة بدا في عينيها بريق غريب.

«لأنه يريد أن يُرى.»

سكت الظابط، هو لم يعرف ماذا يقول.

أما هي فقد كانت تشعر أن خيوطًا غير مرئية بدأت تتشكل حولها. خيوط لا تراها، لكنها تكاد تلمسها.

استدارت ببطء، وألقت نظرة أخيرة على المكان.

ثم قالت

«انقلوا الجثة.»

بعد ساعة كانت صوفيا في مكتبها داخل قسم التحقيقات الجنائية. المصباح الوحيد المضاء فوق مكتبها ألقى دائرة ضوء صغيرة وسط الظلام، بينما بقيت بقية الغرفة غارقة في الظلال.

أمامها الصور، التقارير و الأدلة. قامت بترتيبها بعناية، خطًا بعد خط، كما لو كانت تبني خريطة عقلية

ثم وضعت في الوسط ورقة الضحية.

«كل شيء يُرى لكن ليس كل شيء يُفهم.»

أعادت قراءة الجملة مرات عدة كل مرة كانت تبدو مختلفة.

مدّت يدها نحو القلم، وكتبت في دفترها

القاتل هادئ و واثق، لا يخاف، يريد أن يُلاحظ

توقفت قبل ان تضيف سطرًا أخيرًا

يراقب

تجمّد القلم في يدها و ببطء شديد رفعت رأسه

لتنظر نحو النافذة.

الستارة كانت نصف مفتوحة، والليل خلفها ساكن.

لكن كان هناك شيء، شيء لم تكن متأكدة إن كان وهمًا أم حقيقة.صوفيا تقدّمت ببطء نحو النافذة، خطوة ثم أخرى.

أنفاسها هادئة، لكن حواسها كلها يقظة.

مدّت يدها لتزيح الستارة بالكامل، الشارع كان فارغا

المصباح الأصفر في الخارج يومض ببطء.

لا أحد، ظلت واقفة لعدة ثواني قبل ان تلمح حركة سريعة

ظلّ انسحب خلف زاوية المبنى المقابل،اتسعت عيناها قليلًا، لم تركض و لم تصرخ فقط ابتسمت ابتسامة خفيفة و باردة.

همست

«كنتَ هنا.»

تراجعت خطوة عن النافذة وفي اللحظة نفسها رنّ هاتف مكتبها، نظرت إليه، كان رقما غير معروف.

مدّت يدها ورفعت السماعة، كان صمت قاطعا و لا صوت واحد لكنها سمعت نَفَسًا خفيفا و بطيئا، كأنه قريبا جدا

تصلّب جسدها.

ثم جاء صوت منخفض هامس

«مساء الخير، محققتي.»

ثم انقطع الخط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

꧁1نهاية بارت꧂