بداء اندري مشيه نوح الغابة و كلما ابتعد عن المناطق المأهولة اختفت ضوضاء الناس تدريجيا وحل مكانها صوت الرياح بين الأغصان وحفيف الأوراق اليابسة تحت قدميه. كانت الأشجار تزداد تقاربا كلما توغل في الداخل وفروعها المتشابكة تحجب جزءا كبيرا من السماء مما جعل الضوء يصل إلى الأرض على شكل بقع متفرقة. حمل الهواء رائحة التراب والماء والأوراق القديمة بينما ظل الصمت يحيط به ويجعل المكان يبدو وكأنه لم تطأه قدم منذ زمن طويل
وبعد فترة ظهرت البحيرة بين الأشجار. توقف أندري عندما رآها واتجه بنظره إلى الجانب الآخر منها
كانت الشجرة هناك
نفس الشجرة التي رآها في رؤيته
تقدم نحوها بتوتر. ومع كل خطوة كان المشهد الذي رآه في الرؤية يعود إلى ذهنه حتى وصل أمام جذعها الضخم. عندها تذكر شيئا قديما
"لقد جئت إلى هنا عندما كنت صغيرا"
مرر يده على الجذع الخشن
"ولم يحدث أي شيء"
ظل ينتظر لكنه لم ير شيئا. لمس الجذع أكثر من مرة ثم اتجه نحو البحيرة وغسل يديه وكأنه يحاول التأكد بنفسه من أن المكان طبيعي تماما
في النهاية بدأ يشعر بالسخرية من نفسه
"لقد جئت إلى هنا بسبب رؤية غريبة وصداع وصوت لا أعرف مصدره"
نظر إلى الشجرة مرة أخرى
"وفي النهاية لم يحدث شيء"
استدار ليغادر لكنه سمع صوتا خافتا قادما من خلفه. التفت ببطء فرأى شقا كبيرا يمتد على جذع الشجرة وكان الخشب ينفتح من الداخل. اتسعت عيناه عندما أدرك أن المشهد يطابق ما رآه في رؤيته تماما
خرجت اليد البيضاء من الشق وظهرت أمامه هذه المرة بشكل حقيقي. خرجت أصابعها أولا ثم ظهرت راحة اليد واستقرت خارج الجذع. بقيت ناصعة البياض وناعمة بصورة غير منطقية حتى بدا جمالها أكثر غرابة وسط ظلام الغابة
ثم انفتح فم في راحة اليد وقال
"أهلا بالرقم مئتين وأربعة راكان. هل ستقبل الرحلة أم تختار الرفض. في حالة الرفض سيتم تطبيق الشروط التي وافقت عليها من قبل"
توقف الفم للحظة ثم أضاف
"ستموت"
تراجع أندري بينما بدأت دقات قلبه تتسارع. لم يعرف هل يهرب أم يبقى لكنه لم يحصل على فرصة للتفكير لأن الصداع عاد بقوة أكبر من السابق. انفجر الألم داخل رأسه فسقط على ركبتيه وأمسك رأسه بكلتا يديه وهو يحاول مقاومته لكن جسده لم يستطع التحمل وسرعان ما تقيأ دما على الأرض
تكررت كلمات اليد
"هل ستقبل الرحلة أم تختار الرفض"
رفع أندري رأسه بصعوبة وكان جسده يرتجف وعقله عاجزا عن استيعاب ما يحدث لكنه فهم شيئا واحدا. الرفض يعني الموت
قال بصوت متقطع
"تبا"
ثم رفع عينيه إلى اليد
"أنا أوافق"
اتسع الفم الموجود في راحة اليد وخرجت منه فراشة سوداء. كان لونها معاكسا تماما للون اليد وعلى كل جناح نقطتان حمراوان كأنهما عينان صغيرتان
دارت الفراشة حول أندري للحظات ثم اقتربت منه واختفت داخل جسده دون أن تترك أثرا. وفي اللحظة نفسها اختفت اليد داخل الشجرة وانغلق الشق وعاد الجذع إلى حالته الطبيعية وكأن شيئا لم يحدث
لم يستطع أندري فهم ما جرى قبل أن يخونه وعيه ويسقط فاقدا للوعي
عندما فتح عينيه كان الليل قد حل. شعر بثقل في جسده بينما عادت إلى ذهنه صورة اليد والفراشة والصوت والرؤية التي قادته إلى الغابة
"ماذا حدث لي بالضبط"
رفع نظره إلى السماء التي لم يعد يرى منها سوى أجزاء قليلة بين أغصان الأشجار. كانت الغابة مختلفة تماما ليلا فالظلام جعل الأشجار تبدو أطول وأكثر قربا والرياح تحرك الأغصان فوقه وتصدر أصواتا متقطعة في الظلام
وبينما كان يفكر ظهرت أمام وجهه شاشة شفافة
تراجع أندري بفزع ومد يده إليها بحذر لكن أصابعه مرت من خلالها دون أن تلمس شيئا
"واا ما هذا"
ظهرت على الشاشة عبارة
سيد الأيادي
القوة 1
الخبرة 1
الرشاقة 1
التحمل 1
ظل أندري يقرأها أكثر من مرة قبل أن يحاول فهم ما حدث
"هل حصلت على قدرة ما"
فكر فيما يعرفه عن هذا العالم. البشر يولدون بمانا وهناك أجناس تمتلك طرقا مختلفة للتحكم بقوتها بينما يخضع البعض لتجارب قاسية من أجل تقوية أجسادهم. لكن ظهور شاشة أمامه تحمل اسمه وإحصائياته كان شيئا لم يسمع عنه من قبل
"هذه أول مرة أرى فيها شيئا كهذا"
نظر إلى الإحصائيات ثم تنهد
"القوة واحد والخبرة واحد والرشاقة واحد والتحمل واحد. هذا بالتأكيد شيء سيئ"
عاد ينظر إلى اسم القدرة وتذكر الأشخاص الذين رآهم في رؤيته والأيادي التي خرجت من أجسادهم ثم تذكر اليد البيضاء التي ظهرت من الشجرة
"ربما ورثت قدرة غريبة"
ثم تذكر الاسم الذي استخدمته اليد
"لكن ماذا عن اسم راكان. هل هو نفسه سيد الأيادي"
بقي يفكر في الأمر دون أن يجد تفسيرا
وفجأة تحرك سطح البحيرة. رفع أندري رأسه فرأى يدا حجرية هائلة ترتفع من الماء. كان سطحها خشنا ومغطى بالماء والطين وكأنها جزء من مخلوق عملاق مختبئ في أعماق البحيرة
ظهرت الشاشة مجددا
التوجه نحو غرفة المهمات
نظر أندري إلى اليد ثم دخل البحيرة وسبح نحوها. كان الماء باردا وكلما تقدم شعر بالخوف من شيء قد يختبئ في الأعماق لكنه واصل السباحة حتى وصل إليها
وجد بابا في اليد الحجرية فانفتح من تلقاء نفسه. دخل أندري وشعر باليد تتحرك وتبدأ بالغوص مرة أخرى في البحيرة. لم يجد أمامه سوى ممر يقوده إلى الأعلى وسلما صغيرا صعده حتى وصل إلى غرفة علوية
كانت الغرفة بسيطة وفي داخلها لوحة كبيرة كتب عليها
مسار الرحلة
البداية النجاح في اختبارات القبول
ظل أندري واقفا أمامها وهو يشعر بأن الأمر يتجاوز مجرد هلوسة أو قدرة غريبة ظهرت فجأة
"الأمر حقا جنوني"
ثم ظهرت فوق الشاشة جملة
نظام اللاعب رقم 204
ابتسم أندري
"حسنا أيها النظام. على الأقل امنحني فرصة للفوز"
ظهرت رسالة جديدة
نفد وقت بقائك هنا. الرجاء الخروج قبل أن يتم طردك بالقوة
حدق أندري في الرسالة ثم تنهد
"يا لها من قسوة"
خرج من الغرفة وعاد إلى البحيرة ثم سبح نحو اليابسة. وما إن وصل حتى التفت خلفه فرأى اليد الحجرية تغوص ببطء تحت سطح البحيرة حتى اختفت تماما
استدار نحو الغابة وعندها أدرك المشكلة التي نسيها تماما
كان الليل قد حل وهو لا يزال في وسط غابة مليئة بالمخلوقات
نظر إلى الأشجار المظلمة من حوله وشعر لأول مرة منذ استيقاظه بأن البقاء حتى الصباح لن يكون أمرا سهلا
"كيف سأعود من هنا وأبقى حيا طوال الليل"
وقبل أن يستمر في التفكير، سمع أندري صوت خشخشة قادمة من بين الأشجار. توقفت أنفاسه للحظة، وأدار رأسه ببطء نحو مصدر الصوت، محاولًا رؤية ما يختبئ خلف الظلام.
تحركت بعض الأغصان، ثم ظهر مخلوق يشبه الدب من بين الأشجار. كان ضخم الجسد، لكن مظهره كان مختلفًا تمامًا عن أي دب عرفه أندري. لم يكن على جسده أي شعر، بل كان مغطى بجلد خشن متشقق، تلطخه آثار جروح عميقة في عدة أماكن. كان أحد مخالبه مكسورًا، وعلى جسده علامات واضحة لمعركة عنيفة خاضها قبل وصوله إلى هنا.
ومع ذلك، لم تبدُ عليه أي علامات ضعف. كان يتحرك ببطء، لكن كل خطوة منه كانت تحمل ثقلًا مخيفًا، وكأن جسده اعتاد القتال والبقاء مهما كانت إصاباته.
توقف المخلوق على بعد عدة أمتار من أندري، ورفع رأسه نحوه. التقت عيناه بعينيه، وساد الصمت بينهما للحظات.
لم يحتج أندري إلى تفسير تلك النظرة. كانت عينا المخلوق تحملان جوعًا واضحًا، وكأن الشيء الوحيد الذي يراه أمامه هو وجبة تنتظر أن تصبح أقرب.
ابتلع أندري ريقه وتراجع خطوة إلى الخلف.
"يبدو أنني لن أستطيع العودة بسلام الليلة..."
