Ficool

Chapter 1 - صوت غريب

كان أندري شابا نحيف الجسد تظهر على ملامحه آثار حياة طويلة من الفقر. كانت ثيابه بالية وممزقة في أكثر من موضع وقد علقت بها طبقات من الغبار. أما شعره الأسود فكان فوضويا ومبعثرا بسبب الأوساخ وقلة الاهتمام به. وحدها عيناه الذهبيتان الصافيتان بلون الذهب الخالص بدتا مختلفتين عن مظهره البائس

وقف أندري أمام إعلان علق في أحد الأماكن العامة بينما تجمع عدد كبير من الناس حوله لقراءته. رفع يده وحك شعره بلا اهتمام ثم بدأ يقرأ بصوت منخفض

"سيتم مشاركة البشر في تحديات القبول ليصبحوا محاربين. فكما شاهدتم بدأت أعداد الوحوش في القارة بالازدياد أكثر فأكثر ولذلك سيتم اتحاد جميع الأجناس ومنهم البشر لتوحيد قواتنا"

ظل أندري يحدق في الإعلان للحظات وهو يحاول استيعاب ما قرأه ثم أبعد نظره عنه

"اذا الأجناس أخيرا تجاهلت المشاكل التي بينها واستعدت لتوحيد قواتها"

لم تكن الفكرة مفرحة بقدر ما كانت علامة أخرى على سوء الوضع. فمنذ أن بدأت الوحوش بالظهور من المحيط لم يعد العالم يعيش كما كان فكل مخلوق يظهر كان يحمل خصائص مختلفة عن سابقه مما جعل القضاء عليهم اصعب 

حك أندري شعره مجددا وقال بسخرية

"يبدو أن الأمر يزداد سوءا فعلا. قتال عدو لا تعرف نقاط ضعفه أو قوته سيكون مخاطرة بحد ذاته"

ثم تذكر ما قرأه وضحك بخفة

"لم أتوقع أن التنانين والأجناس الأخرى ستطلب الدعم من البشر رغم أنهم كانوا يبغضوننا"

خفض نظره إلى ثيابه الرثة التي لم تعد تصلح حتى لتغطية آثار الفقر على جسده ثم ابتسم بسخرية

"على كل حال شخص متسول مثلي لن يتمكن حتى من اجتياز ذلك الاختبار. لو فزت ربما أصبح غنيا وأترك هذه الحياة البائسة"

استدار أندري وغادر المكان متجها نحو حي المتسولين. كانت خطواته هادئة وغير مبالية فقد اعتاد السير في هذه الشوارع دون أن ينتظر شيئا من الحياة

لكن بعد مسافة قصيرة بدأ ألم مألوف يتسلل إلى رأسه. كان في البداية مجرد صداع خفيف اعتاد عليه منذ سنوات ثم تحول تدريجيا إلى ضغط مزعج خلف عينيه وأخذ يزداد حتى شعر وكأن شيئا يضغط على جمجمته من الداخل

وضع يده على رأسه وقال بضيق

"تبا هذا الصداع مجددا"

منذ ولادته وهذا الألم يرافقه دون تفسير. لم يكن يعرف سببه ولم يكن يملك المال للذهاب إلى طبيب ومحاولة معرفة ما يحدث له لذلك لم يكن أمامه سوى تحمله في كل مرة يظهر. لكن هذه المرة كان الألم مختلفا فقد ازداد بسرعة حتى بدأت خطواته تفقد انتظامها

ثم سمع صوتا لم يأت من الشارع ولم يكن صادرا عن شخص يقف بجانبه بل ظهر مباشرة داخل رأسه وكان واضحا لدرجة جعلته ينسى الصداع للحظة

"أنت جاهز لبدء الرحلة"

توقفت خطوات أندري ونظر حوله بحثا عن مصدر الصوت لكنه لم يجد أحدا. بدأ الشك يتسلل إلى ذهنه فحك رأسه وقال بتوتر

"تبا هل بدأت أهلوِس. كل هذه الحياة اليائسة والآن بدأت أجن أيضا. يا لها من حياة مثيرة للسخرية"

لكن الصوت عاد قبل أن يتمكن من استعادة هدوئه

"السيد راكان يجب التوجه نحو المكان الذي ستراه الآن خلال ذاكرتك قبل أن ينفد وقت التجهيز"

انعقد حاجبا أندري وهو يحاول فهم ما يسمعه

"من راكان وأي مكان تتحدث عنه"

لم يحصل على إجابة. فجأة تبدل كل شيء أمامه وغاص وعيه في ظلام دامس لم يكن فيه صوت ولا ضوء ثم بدأت صورة تتشكل داخله وكأنه يشاهد ذكرى ليست له

رأى مجموعة من الأشخاص يسيرون داخل غابة قريبة من حي المتسولين. لم تكن في حركتهم أي علامة على الإرادة فقد كانوا يتقدمون بصمت وكأن قوة مجهولة تجبرهم على السير نحو مكان محدد. وكلما توغلوا بين الأشجار بدأ شيء غريب يظهر في أجسادهم

كانت أياد تخرج من أجسادهم وتشق الجلد من ظهورهم وأكتافهم وأجزاء مختلفة منها. ومع كل يد جديدة تظهر كانت أجساد أصحابها تذبل أكثر. انكمشت ملامحهم وفقدت أجسادهم قوتها لكنهم استمروا في السير وكأنهم عاجزون عن مقاومة ما يجبرهم على التقدم

ظل أندري يراقب المشهد بذهول. لم تكن الأيادي وحدها هي الشيء المرعب بل الطريقة التي كانت أجسادهم تتغير بها أمام عينيه وكأن حياتهم نفسها تدفع ثمنا لكل يد تظهر منهم

استمروا في السير حتى وصلوا إلى مكان مفتوح داخل الغابة. ظهرت بحيرة متوسطة الحجم بين الأشجار وبالقرب من حافتها وقفت شجرة ضخمة أقدم بكثير من بقية الأشجار. كان جذعها عريضا ومتشققًا وفروعها تمتد فوق المكان كأنها سقف طبيعي يحجب جزءا من السماء

اقترب الأشخاص منها لكنهم لم يصلوا إليها. سقطوا واحدا تلو الآخر دون أن يفهم أندري ما الذي أسقطهم

وقبل أن يستوعب ما حدث بدأ شق يظهر في جذع الشجرة وكأن شيئا من الداخل يدفع الخشب إلى الخارج. اتسع الشق ببطء حتى ظهرت منه يد بيضاء ناصعة أنقى من أي لون رآه أندري من قبل. كانت ناعمة بشكل لا يتناسب مع المكان وأصابعها طويلة ومتناسقة بصورة جعلت جمالها نفسه أمرا مقلقا

ظل أندري يحدق فيها عاجزا عن تفسير ما يراه قبل أن تنتهي الرؤية فجأة

فتح عينيه فوجد نفسه واقفا في الشارع من جديد. كان صدره يرتفع وينخفض بسرعة لكنه لم يعد يشعر بالصداع ولم يعد الصوت موجودا

بقي واقفا للحظات محاولا ترتيب أفكاره. لم يكن يعرف إن كان ما حدث هلوسة أم رؤية حقيقية لكن الإحساس الذي رافقها كان مختلفا عن أي حلم مر به من قبل. لقد كان واعيا داخلها ورأى التفاصيل وشعر بالخوف والدهشة وكأنه كان موجودا هناك بالفعل

"هل يعقل أنني تخيلت كل ذلك"

نظر حوله ثم فكر في العالم الذي يعيش فيه

"هذا عالم توجد فيه الوحوش والتنانين والأجناس المختلفة. وقد ظهرت فيه مخلوقات من المحيط لا يعرف أحد عنها شيئا. سبق لي أن رأيت أشياء أغرب من ذلك"

حسم أمره و قرر التوجه نحو الغابة 

More Chapters