Ficool

Chapter 3 - قهوةً مرّةً

قسم الطوارئ - حوالي 7:50 مساءً

مرت نصف ساعة. نصف ساعة من الهدوء النسبي الذي يشبه حبس الأنفاس. قضيتها في التعامل مع الحالات البسيطة التي تراكمت في منطقة الانتظار - جرح احتاج إلى بضع غرز، طفل يعاني من التهاب في الحلق. عمل روتيني، ممل، لكنه ضروري. من بعيد، كنت أرى دكتور سمير يدخل ويخرج من غرفة الإنعاش رقم 1 بانتظام، يراقب السيدة الشاذلي دون كلل.

ثم، كما هو متوقع، وصلوا.

مجموعة من ثلاثة أشخاص، رجلان وسيدة، يرتدون ملابس أنيقة لكن على وجوههم قلق مصطنع. دخلوا القسم بخطوات سريعة، أعينهم تبحث في كل الاتجاهات. إنهم بقية عائلة الشاذلي.

قبل أن يتمكن موظف الاستقبال من نطق كلمة واحدة، كان دكتور كريم قد وصل إليهم. ظهر من العدم تقريبًا، وتحرك نحوهم بهدوء وسلطة طبيعية.

"مساء الخير،" قال بصوت دافئ وعميق. "أنا دكتور كريم. كنتم قادمين من أجل السيدة فريدة الشاذلي، أليس كذلك؟"

أومأوا برؤوسهم، وبدا الارتياح على وجوههم فورًا لأنهم وجدوا من يرشدهم.

"لقد استقرت حالتها الآن، وهي تحت المراقبة الدقيقة. تعالوا معي، سأشرح لكم الموقف."

قادهم إلى الممر الهادئ خارج غرفة الإنعاش مباشرة. لم يدخلهم إليها بعد، بل أوقفهم في الخارج. هذه من حيله المفضلة: خلق مسافة تزيد من القلق، ثم يتدخل هو ليملأ هذا الفراغ بالطمأنينة. رأيته يضع يده برفق على ذراع السيدة التي بدت الأكثر قلقًا. رأيته يميل برأسه، ويستخدم نبرة صوت توحي بالسرية والاهتمام الشخصي. كان يمتص قلقهم ويحوله إلى إعجاب موجه له. إنه لا يعالج المرضى فقط، بل يعالج الأقارب أيضًا، ويجعلهم مرضاه العاطفيين.

في تلك اللحظة، خرج دكتور سمير من الغرفة ليُسجل ملاحظاته الجديدة. توقف عندما رأى المجموعة.

"الحالة مستقرة،" قال بصوت حاد ومقتضب، مقاطعًا لحظة كريم العاطفية. "مستوى السكر في الدم ينخفض حسب الخطة. لا يوجد سبب للقلق حاليًا."

كانت كلماته موجهة للعائلة، لكنني أعرف أنه كان يؤدي هذا العرض لي، ولأي شخص آخر يستمع. كان يتباهى بسيطرتِه و دقتِه. لم يقل "لقد عالجناها"، بل قال "مستوى السكر ينخفض حسب الخطة". خطته هو. نجاحه هو.

نظر إليه كريم بابتسامة باهتة، ابتسامة من يُقاطَع عرضُه لكنه يعرف أن الجمهور سيعود إليه في النهاية.

"شكرًا دكتور سمير،" قال كريم بهدوء، ثم أعاد توجيه انتباه العائلة إليه بالكامل. "كما تسمعون، هي في أيدٍ أمينة. الآن، عندما تدخلون لرؤيتها، من المهم أن تبقوا هادئين..."

تركته يكمل مسرحيته. لقد أصبح المشهد مزدحمًا للغاية. سمير يتباهى بالسيطرة التقنية، وكريم ينسج شبكته العاطفية. كلاهما يتنافسان على نفس الجمهور، لكن كل منهما يبيع سلعة مختلفة.

عدت إلى مكتبي، وأنا أشعر بذلك الإحساس المألوف بالانفصال. إنهم جميعًا غارقون في أدوارهم الصغيرة، في خطاياهم الصغيرة. ينسون أن المريضة على السرير ليست مجرد فرصة أو تحدٍ، بل هي إنسان.

وهذا هو الفرق بيني وبينهم. أنا لا أنسى ذلك أبدًا.

محطة العمل الرئيسية - حوالي 9:00 مساءً

مرت ساعة تقريبًا. تم نقل السيدة الشاذلي إلى غرفة خاصة في الطابق العلوي، برفقة عائلتها الممتنة ودكتور كريم الذي أشرف على انتقالها شخصيًا، متأكدًا من حصوله على كل ذرة من الامتنان المستحق. عاد قسم الطوارئ إلى هدوئه الحذر، ذلك الهدوء الذي لا أثق به أبدًا.

كنت أجلس في محطة العمل الرئيسية، أُنهي بعض التقارير المتأخرة. صوت نقرات أصابعي على لوحة المفاتيح كان الصوت الوحيد تقريبًا في محيطي المباشر. ثم شعرت بوجود شخص يقف بجانبي.

"دكتورة إيمان."

رفعت رأسي. كانت نهى. كانت تحمل كوبين ورقيين من القهوة. مدت أحدهما نحوي.

"قلت أحضر لكِ قهوة. شكلها ليلة طويلة."

كانت لفتة غير متوقعة منها. نهى لا تقدم خدمات مجانية عادةً. أخذت الكوب. "شكرًا يا نهى."

لم تذهب. بل استندت على حافة المكتب، ونظرت في اتجاه الممر الذي أُخذت منه السيدة الشاذلي قبل قليل.

"عائلة الشاذلي... ما شاء الله،" قالتها بنبرة غريبة، نبرة تحمل إعجابًا ظاهريًا يخفي شيئًا آخر. "شفتي البذل والشنط اللي كانوا لابسينها؟ الواحدة منهم تمنها قد مرتب شهرين."

صمتت للحظة، ثم أضافت وهي ترتشف من قهوتها، "ودكتور كريم، طبعًا. عرف ياخد اللقطة كالعادة. سمعتهم وهم بيشكروا فيه وبيقولوا إنه ملاك."

قالت كلمة "ملاك" بسخرية خفيفة جدًا، بالكاد تُلاحظ.

"هو يؤدي عمله،" قلت بحيادية، وأنا أعود للنظر في شاشتي.

"طبعًا،" وافقتني بسرعة. "كلنا بنعمل شغلنا. بس فيه ناس شغلها بيتقدّر أكتر من ناس تانية."

نظرت إلى يديها، التي كانت تحمل كوب القهوة الرخيص من آلة البيع في المستشفى. "تخيلي بس تكوني من عيلة زي دي. عربية بسواق، وخدم، ومستشفى خاص فخم لما تتعبي. مش محتاجة حتى تفكري في الفلوس أو الإيجار أو أي حاجة. كل اللي عليكي تعمليه هو إنك تتعبي بس."

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من المرح. "حياة تانية خالص."

بقيت واقفة للحظة أخرى، كأنها تنتظر مني أن أوافقها أو أشاركها هذا الشعور. لم أفعل. الصمت هو أفضل رد على مثل هذه المرارة. أخيرًا، تنهدت وقالت، "طيب، أسيبك تكملي شغلك." وابتعدت عائدة إلى مكانها، وإلى عالمها الصغير المليء بالمقارنات الصامتة.

راقبتها وهي تبتعد. القهوة التي أحضرتها لم تكن لفتة طيبة. كانت دعوة. دعوة للانضمام إليها في مستنقع السخط الذي تعيش فيه. هي لا تحسد عائلة الشاذلي على أموالهم فقط، ولا تحسد كريم على تقديرهم. هي تحسد فكرة "السهولة" نفسها. فكرة وجود حياة لا تتطلب هذا الكفاح اليومي الذي تراه هي عبثيًا وغير مُقدَّر.

ارتشفت من القهوة. كان طعمها مرًا.

More Chapters