كانت الرياح تعصف فوق ساحة المعركة، تحمل معها رائحة الحديد والرماد.
فرسان الإمبراطورية المعادية انتشروا بين الجثث، يقلبونها بحثًا عن ناجين أو أسرار.
خطواتهم المعدنية تتردد في المكان الخالي من الحياة.
وفي المقدمة…
كان يسير آيرون فاليس، الأمير ذو السبعة عشر عامًا، ذو الشعر الاسود والعين الذهبيه لامعه و بملامحه الباردة ونظراته الحادة.
صرخ أحد الجنود فجأة:
"سيدي! وجدنا واحدًا ما زال يتنفس!"
اقترب آيرون بخطوات ثابتة.
انحنى الجندي، وأزاح قطعة من الدرع المحطم عن صدر الشاب الملقى على الأرض.
لكن ما ظهر تحت الدرع…
لم يكن مجرد قماش ممزق.
كان شعارًا معدنيًا صغيرًا، مغطى بالدم، لكنه ما زال يلمع رغم الفوضى.
آيرون مدّ يده ببطء، مسح الدم بإبهامه…
وفجأة—
ظهر الرمز بوضوح.
تاج ذهبي.
ثلاثة أجنحة.
خط محفور بدقة لا يملكها إلا صانعو البلاط الملكي.
همس أحد الجنود بصوت مرتجف:
"هذا… شعار ولي العهد…"
تجمّد آيرون.
عيناه الذهبيتان اتسعتا للحظة قصيرة، قبل أن تعودا إلى برودهما المعتاد.
رفع رأس الشاب قليلًا…
ورأى وجهه.
ملامح قوية رغم الجروح.
شعر ملتصق بجبينه من الدم.
أنفاس ضعيفة… لكنها موجودة.
قال آيرون بصوت منخفض، لكنه يحمل ثقلًا لا يُصدق:
"رين… ولي العهد."
الجنود تراجعوا خطوة بلا وعي.
لم يتوقع أحد أن يجدوا أخطر شخص في الإمبراطورية العظمى ملقى أمامهم هكذا.
أحد الفرسان قال بخوف:
"سيدي… هل نقتله؟ إنه—"
لم يكمل.
آيرون رفع عينيه نحوه، نظرة واحدة فقط…
كانت كافية لإسكات قلبه قبل فمه.
ثم قال الأمير ببرود قاتل:
"من يلمسه… يموت."
ساد الصمت.
آيرون أمسك الشعار مرة أخرى، نظر إليه طويلًا، ثم قال:
"هذا الشعار… لا يحمله إلا وريث العرش."
ثم انحنى، حمل رين على كتفه، ونهض ببطء.
"سنأخذه إلى القلعة."
الجنود تبادلوا النظرات بصدمة.
أكمل آيرون بصوت منخفض، وكأنه يعلن بداية حرب جديدة:
"لقد وجدت كنز الإمبراطورية العظمى."
.
في غرفة واسعة ذات سقف مرتفع، كان رين ممددًا على سرير من الخشب الداكن.
ضماداته ملفوفة بإحكام، وملابسه ممزقة، وجسده يئن من الألم.
لكن رغم كل ذلك…
كان حيًا.
فتح رين عينيه ببطء.
الضوء الخافت للمشاعل جعله يرمش عدة مرات قبل أن تتضح الرؤية.
أول ما شعر به…
كان الألم.
ألم في صدره، كتفه، ساقه… وكأن جسده كله يصرخ.
حاول النهوض، لكن يده ارتجفت وسقطت على السرير.
"أين… أنا؟"
صوت خطوات ثقيلة اقترب من الباب.
فتح الباب ببطء…
ودخل آيرون فاليس.
كان يرتدي معطفه العسكري الداكن، شعره الأسود يتطاير قليلاً، وعيناه الذهبيتان تلمعان في الضوء الأزرق للمشاعل.
وقف أمام السرير، ينظر إلى رين بصمت.
رين حاول الجلوس، لكن الألم منعه.
رفع رأسه بصعوبة، وعيناه اتسعتا عندما رأى الشخص أمامه.
"أنت…"
آيرون اقترب خطوة، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل قوة مخيفة:
"أخيرًا استيقظت… ولي العهد."
رين تجمد.
لم يكن يتوقع أن يعرف العدو هويته بهذه السرعة.
رين حاول أن يخفي ارتباكه، وقال بصوت ضعيف لكنه ثابت:
"إذا كنت ستقتلني… فافعلها الآن."
آيرون رفع حاجبه، وكأنه يسمع شيئًا مضحكًا.
"قتلُك؟"
اقترب أكثر، حتى أصبح على بعد خطوة واحدة فقط من السرير.
"لو أردت قتلك… لما كنت مستيقظًا الآن."
رين صمت.
آيرون جلس على الكرسي المقابل للسرير، وضع ساقًا فوق الأخرى، وقال:
"وجدتك في ساحة المعركة. نصف ميت.
لكن الشعار على صدرك…"
أخرج قطعة معدنية صغيرة من جيبه.
شعار ولي العهد.
ورفعه أمام رين.
"هذا ما أنقذك."
رين شدّ قبضته، لكن جسده كان ضعيفًا جدًا ليقاوم.
آيرون انحنى قليلًا للأمام، وصوته أصبح منخفضًا… خطيرًا:
"لن أقتلك، رين.
ليس الآن."
ثم ابتسم ابتسامة باردة:
"وجودك حيًا… أهم بكثير من موتك."
رين شعر بقشعريرة تسري في جسده.
هذه ليست رحمة…
هذه لعبة.
آيرون وقف، استدار نحو الباب، ثم قال دون أن ينظر خلفه:
"ارتَح… ولي العهد.
لدينا الكثير لنتحدث عنه… عندما تستطيع الوقوف."
وأغلق الباب خلفه.
رين بقي وحده، يحدق في السقف، وقلبه ينبض بسرعة.
"ما الذي… يريدونه مني؟"
---
كانت القاعة الملكية غارقة في صمت ثقيل، صمت يشبه ما قبل العاصفة.
الخدم يقفون على الأطراف، رؤوسهم منخفضة، وكأنهم يشعرون بأن شيئًا مظلمًا يقترب.
وفجأة—
فتح الباب بقوة، ودخل أحد الفرسان مسرعًا، أنفاسه متلاحقة، ويده ترتجف وهي تحمل رسالة مختومة بختم الجيش.
انحنى أمام الإمبراطور وقال بصوت مبحوح:
"جلالتك… وصلت رسالة عاجلة."
الإمبراطور مدّ يده ببطء، أخذ الرسالة وكأنها تحمل وزناً لا يُحتمل.
قلبه كان يصرخ قبل أن يقرأ…
أن ما بداخلها ليس خيرًا.
فتح الختم.
فتح الورقة.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
وفجأة—
تجمّد.
سقطت الرسالة من يده على الأرض، كأنها احترقت بين أصابعه.
---
ركضت سيرا والتقطت الورقة بسرعة، عيناها ترتجفان وهي تقرأ بصوت يكاد ينكسر:
"جلالتكم…
اضطررنا للانسحاب.
الهجوم كان مباغتًا…
رين… ولي العهد…
سقط في ساحة المعركة.
كان ينزف بشدة…
والاحتمال الأكبر… أنه مات… بشهادة صديقه."
رفعت رأسها بصدمة، ثم أكملت بصوت أضعف:
"العدو… سيطر على المنطقة الغربية."
---
سيرا
لم تستطع سيرا احتمال الكلمات.
صرخت فجأة، صرخة مزّقت صمت القاعة:
"لااااا!! لن يتركني!! لم يمت!!"
كانت دموعها تنهمر بلا توقف، ويدها ترتجف وهي تضرب صدرها.
"اتركوني!! هو حي!! سيعود!!
سيدخل من هذا الباب ويقول: أختي… أنا عدت.
هو لم يمت!! هل تفهمون؟!"
ثم ركضت خارج القاعة، هاربة من الحقيقة التي رفض قلبها قبولها.
هارو
أما هارو، فقد انهار تمامًا.
ركض خلفها، لكنه لم يصل بعيدًا قبل أن يسقط على ركبتيه، يصرخ:
"رييييين!! أرجوك… لا تتركني!!"
كان يضرب الجدران بقبضته حتى نزف، لكن الألم الجسدي لم يكن شيئًا أمام الألم الذي مزّق قلبه.
كل ما شعر به…
كان الفراغ.
جلس الإمبراطور هان على العرش، لكنه لم يكن يبدو كملك.
كان يبدو كأب فقد ابنه الوحيد.
يداه ترتجفان.
عيناه فارغتان.
وصوته خرج كهمس مكسور:
"رين… يا بني…"
كانت سماء إمبراطورية سيان ملبّدة بالغيوم، وكأنها تشعر بما سيحدث.
في القصر الإمبراطوري، جلس الإمبراطور هان سيان خلف مكتبه، محاطًا بالخرائط والتقارير العسكرية.
دخل أحد الحراس مسرعًا، وجهه شاحب، ويده تحمل لفافة مختومة بختم أسود يحمل شعار فالكر.
انحنى وقال:
"جلالتك… رسالة من إمبراطورية فالكر."
الإمبراطور هان شعر بانقباض في صدره.
فتح الرسالة ببطء…
وعيناه اتسعتا مع كل كلمة يقرأها.
---
إلى الإمبراطور هان سيان،
نعلمك أن ولي عهدك… رين سيان… ما زال حيًا.
وهو بين أيدينا.
إن أردته حيًا، فسلّمنا إمبراطوريتك كاملة:
أرضًا، وشعبًا، وجيشًا.
مقابل ذلك… نضمن سلامة شعبك، ونُعيد إليك ابنك.
وإن رفضت… فموته سيكون على يدك، لا على يدنا.
— الإمبراطور داريوس فالكر
عندما أنهى الإمبراطور هان القراءة…
أغلق عينيه بقوة، وكأنه تلقى ضربة في قلبه.
---
وقف ببطء، ويده ترتجف وهي تمسك الرسالة
ارسال رد بقراره :
"لن أسلّم شعبي…
ولن أسلّم إمبراطوريتي."
ثم مزّق رساله العدو إلى قطع صغيرة.
لكن ما فعله بعدها…
كان أصعب قرار في حياته قرار كا امبرطور لا كا اب.
أخفى الحقيقة.
لم يخبر أحدًا أن رين ما زال حيًا.
ولا أي شخص في القصر.
قال لنفسه:
"إن عرفوا… سينهارون.
وإن عرف العدو أننا نعلم… سيستخدمونه ضدي."
رفع رأسه، وعيناه ممتلئتان بالألم:
"سامحني يا رين…
لكنني لن أسمح لداريوس أن يبتزّني بك."
وصل ردّ الإمبراطور هان إلى قصر فالكر الحديدي.
وقف الحارس أمام العرش، يقدّم الرسالة بصوت مرتجف، وكأنه يحمل جمرة.
فتح الإمبراطور داريوس فالكر الرسالة…
قرأ السطور القليلة…
ثم تغيّر وجهه بالكامل.
في لحظة واحدة، اشتعل غضبه.
أمسك الطاولة أمامه وقلبها بقوة، تناثرت الأوراق، وتحطمت الأكواب، وارتجّت القاعة.
ثم بدأ يرمي كل ما تصل إليه يده: خرائط، تقارير، وحتى أحد المقاعد الخشبية الثقيلة.
صوت تحطّم الأشياء كان كالرعد.
صرخ داريوس بصوت هزّ الجدران:
"هان سيان… يرفض؟!
يرفض أن ينقذ ابنه؟!
يرفض أن ينقذ شعبه؟!"
كان الغضب يلتهمه.
لكن وسط الفوضى…
دخل آيرون فالكر بخطوات ثابتة، وملامحه هادئة رغم العاصفة.
وقف أمام والده وقال بصوت منخفض، لكنه يحمل سمًّا باردًا:
"أبي… الإمبراطور هان سيان سيعرف قريبًا أن الرفض… كان أسوأ قرار في حياته."
توقّف داريوس، أنفاسه ثقيلة، ونظر إلى ابنه.
تابع آيرون:
"لن نقتله.
سنريه ما هو أسوأ من موت ابنه."
اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر ظلامًا:
"سنجعل هان يرى ابنه…
وهو يدمر الإمبراطورية التي رفض إعطاءها لنا."
ساد صمت ثقيل…
ثم ضحكة قصيرة خرجت من داريوس، ضحكة لا تحمل أي رحمة.
في تلك اللحظة، دخل ولي العهد ليوس فالكر، أخو آيرون الأكبر.
كان يراقب بصمت، ثم قال ببرود:
"أخي… على حق.
على الرغم من أنني أكرهه… إلا أن كلامه صحيح."
اقترب ليوس، وملامحه لا تحمل أي تعاطف:
"لن نقتل رين.
سنلعب معه لعبة نفسية."
نظر إلى والده، ثم إلى آيرون:
"سنهدم شخصيته…
سنكسر روحه…
سنجعله لا يعرف نفسه."
ابتسم ليوس ابتسامة باردة:
"لن يبقى من رين سيان سوى قشرة…
قشرة نستخدمها كما نشاء."
أصدر الإمبراطور داريوس فالكر أمره ببرود لا يشبه البشر:
"ليوس… أنت ستتولى أمر رين سيان. أريد أن أراه ينكسر."
انحنى ولي العهد ليوس فالكر، وابتسامة خفيفة، خالية من الرحمة، ظهرت على شفتيه.
قاد الحراس إلى الغرفة التي وُضع فيها رين.
فتح الباب… فاندفع الضوء البارد على جسد رين المرهق.
قال داريوس بصوت منخفض:
"اسحبوه."
اقترب الحراس، لكن رين فتح عينيه فجأة.
نهض رغم جراحه، قبضته ترتفع، وضرب أول حارس بقوة جعلته يرتد للخلف.
انتزع سلاحًا من يد آخر، وبدأ يقاتل بعناد يائس، كأن الحياة كلها تعتمد على تلك اللحظة.
صرخ أحد الحراس:
"إنه يقاوم! لا نستطيع السيطرة عليه!"
غضب ليوس، وصرخ:
"أحضروا الدعم فورًا!"
دخل المزيد من الجنود، وتحت ثقل عددهم، سقط رين أخيرًا.
كان يتنفس بصعوبة، كتفه ينزف، وجسده بالكاد يقوى على الحركة.
أمسكوه من ذراعيه وسحبوه عبر الممرات الحجرية، حتى ألقوه داخل زنزانة مظلمة.
انتهت المعركة غير المتكافئة بجسد رين ملقىً في زنزانة رطبة. دخل ليوس وهو يمسك بسوطه، ملامحه تشوهت بابتسامة سادية.
هوى السوط بقسوة على جسد رين الذي كان يعاني بالفعل من جرح عميق في كتفه لم يلتئم بعد. مع كل ضربة، كان الجرح القديم ينفتح أكثر، والدماء الجديدة تختلط بالقديمة، حتى وصل رين إلى حالة يرثى لها، يرتجف بين الألم والاحتضار.
توقف ليوس عن الجلد، وانحنى ليهمس في أذن رين المحطم:
"رين.. لقد تخلى والدك عنك تماماً. لم يعد يراك حتى كبشر، فما بالك بابن؟"
خرج صوت رين مبحوحاً، مثقلاً بالعذاب والمقاومة:
"أنت.. كاذب.. خسيس.."
تعالت ضحكات ليوس المستفزة، وأخرج ورقة رسمية من جعبته:
"ألا تصدقني؟ إذن انظر.. انظر إلى هذا الختم الإمبراطوري. هذه الرسالة موقعة بختم إمبراطوريتكم سان ليبيعك لي. هل ما زلت تؤمن به الآن؟"
سقطت عينا رين على الختم الأحمر المطبوع على اللفافة.
ختم إمبراطورية سيان… ختم والده… ختم البيت الذي نشأ فيه.
تجمّد.
كأن الهواء اختفى من حوله.
لم يعد يسمع صوت ليوس، ولا ضحكاته، ولا وقع خطوات الحراس.
كل ما كان يراه… هو الختم.
ذلك الختم الذي كان رمزًا للفخر…
أصبح الآن خنجرًا في صدره.
رفع رين يده المرتجفة، وكأنه يحاول لمس اللفافة، لكن أصابعه توقفت في الهواء لانه
كان مقيد بسلسال تمنعه
لم يستطع الاقتراب…
ولم يستطع الابتعاد.
همس بصوت مبحوح، بالكاد يُسمع:
"أبي…؟"
كانت الكلمة تخرج منه كأنها تُنتزع من روحه.
ضحك ليوس بخفة، ضحكة باردة:
"أترى؟ حتى صوتك لا يصدق ما تراه عيناك."
أغمض رين عينيه بقوة، كأنه يحاول طرد الحقيقة، أو طرد الألم…
لكن الألم كان أعمق من أن يُطرد.
بدأت أنفاسه تتسارع.
قلبه يضرب صدره بقوة.
جسده يرتجف رغم محاولته التماسك.
قال بصوت مكسور، لكنه يحمل آخر ذرة من كبريائه:
"أبي… لن يفعل هذا…
أبي… لن يتركني…"
اقترب ليوس من القضبان، وانحنى قليلًا، صوته ينزل كسمّ بارد:
"إذن لماذا لم يأتِ؟
لماذا لم يرسل جيشًا؟
لماذا لم يطلب حتى جثتك؟"
فتح رين عينيه ببطء…
كانت نظراته فارغة، كأن شيئًا داخله انطفأ.
همس:
"لا… هذا… غير ممكن…"
رفع ليوس اللفافة أمامه مرة أخرى، وقال:
"هذه الحقيقة يا رين سيان.
أبوك اختار إمبراطوريته…
على ابنِه."
سقط رأس رين إلى الأمام، كتفاه تهويان، وكأنه فقد القوة التي كانت تبقيه واقفًا.
لم يبكِ…
لم يصرخ…
لم يتكلم.
كان الصمت وحده…
هو الدليل على أن الضربة أصابت أعمق نقطة في قلبه.
-
ظلّ رين صامتًا بعد رؤية الختم، رأسه منخفض، وكتفاه تهويان كأن شيئًا ثقيلًا سُحب من داخله.
لم يعد يقاوم.
لم يعد يتكلم.
لم يعد حتى ينظر إلى ليوس.
وهذا بالضبط… ما كان ليوس ينتظره.
قال أحد الحراس وهو ينظر إلى رين المنهار
"لقد حطمته يا سيدي... لن يقف بعد الآن."
وقف ولي العهد ليوس فالكر أمام الزنزانة يراقب رين بعينين باردتين، ثم قال بنبرة هادئة تحمل قسوة خفية
أترون؟ هذه ليست سوى البداية."
أدار ظهره للحظة، ثم التفت إلى رين مجددا :
المرحلة الأولى كانت بسيطة... مجرد ضربة صغيرة لثقته."
اقترب من القضبان، وانحنى قليلاً:
لكن المرحلة الثانية... ستكون أعمق."
"المرحلة الأولى كانت بسيطة… فقط ضربة صغيرة لثقته."
اقترب من القضبان، وانحنى قليلًا:
"لكن المرحلة الثانية… ستكون أعمق."
رفع إصبعه، كأنه يشرح درسًا:
• "سنأخذ منكه اسمه."
• "ثم سنأخذ منه هويته."
• "ثم سنأخذ منه كل شيء يجعله رين سيان."
ابتسم ليوس ابتسامة باردة:
"أتعرف ما هو أسوأ من الألم؟"
سكت لحظة، ثم قال:
"أن تشك في نفسك."
خطا خطوة للخلف، وبدأ يتحدث بصوت أعلى، كأنه يعلن حكمًا:
"من اليوم… لن يعامل كأمير.
ولن يعامل حتى كأسير."
أشار للحراس:
"من اليوم… رين سيان لم يعد موجودًا."
رفع الحراس رؤوسهم، ينتظرون الأمر.
قال ليوس:
"من اليوم… هو مجرد رقم."
تبادل الحراس نظرات خبيثة، وهم يهمسون
"رقم...؟
ابتسم ليوس ابتسامة أوسع:
"نعم. رقم.
شيء بلا قيمة.
شيء بلا اسم.
شيء لا يفتقده أحد."
تابع ليوس
ثم قال الجملة التي كانت بداية النهاية:
"وفي النهاية… سينسى أنه كان يومًا رين سيان."
مرت الأيام داخل زنزانة رين ببطء قاتل.
لم يكن يعرف الليل من النهار، ولا يسمع سوى خطوات الحراس وصوت الباب الحديدي الذي يُفتح كل يوم… في نفس الوقت… بنفس الطريقة.
وفي كل مرة، يدخل ليوس فالكر.
يجلس أمام الزنزانة، يضع اللفافة المختومة بختم إمبراطورية سيان على ركبته، ويقول بصوت هادئ:
"هل تعلم يا رين؟ لو كان والدك يريدك… لكان جاء."
رين لا يرد.
لكن عينيه ترتجفان.
في اليوم التالي، يعود ليوس، يضع اللفافة أمامه مرة أخرى:
"أبوك لم يرسل حتى رسالة يسأل فيها عنك."
وفي اليوم الثالث:
"أبوك اختار العرش… على ابنِه."
وفي اليوم الرابع:
"لو كنت مهمًا… لما تركك هنا."
وفي اليوم الخامس، يفتح اللفافة قليلًا، ليُظهر الختم الأحمر:
"هذا ختم والدك… ختم الرفض."
رين كان يحاول في البداية أن يشيح بوجهه، أن يقاوم، أن يقول:
"أنت تكذب."
لكن مع مرور الأيام…
بدأ صوته يختفي.
بدأت الكلمات تختنق في حلقه.
بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبه.
كان ليوس يعرف ذلك.
كان يراقب كل ارتجافة، كل نظرة، كل لحظة صمت.
وفي اليوم السابع، جلس ليوس أمامه وقال:
"أتعرف ما هو الشيء الجميل في البشر يا رين؟"
لم يرد رين.
ابتسم ليوس:
"أنهم ينهارون… عندما يتكرر الألم."
رفع اللفافة أمامه، وقال ببطء:
"وسأكرر هذا… كل يوم… حتى تصدق."
رين أغلق عينيه، كأنه يحاول الهرب من الصوت…
لكن الصوت كان يلاحقه.
"أبوك لم يعد يريدك."
"أبوك لم يعد يريدك."
"أبوك لم يعد يريدك."
حتى أصبحت الجملة تتردد في رأسه حتى وهو نائم…
حتى وهو مستيقظ…
حتى وهو يحاول أن يتذكر صوت والده الحقيقي.
بعد أسابيع من التكرار و التعذيب...
بدأت علامات الانهيار تظهر.
رين لم يعد يرفع رأسه.
لم يعد يرد.
لم يعد يصرخ.
لم يعد يقول "أنت تكذب".
كان يجلس بصمت...
ينظر إلى الأرض...
وكأن شيئًا داخله بدأ يختفي.
وليوس؟
كان يبتسم كلما رأى ذلك.
لأنه يعرف:
حين يفقد الإنسان ثقته بنفسه...
يفقد كل شيء
كانت ساحة التدريب في إمبراطورية فالكر تعجّ بصوت الحديد المتصادم، لكن وسط كل ذلك… كان آيرون يقف وحده.
أنهى تدريبه
تنفّس بعمق، ورفع رأسه نحو السماء الرمادية، وعيناه تحملان شيئًا يشبه الضجر… لا الضعف.
اقترب أحد الحراس منه، وانحنى باحترام:
"ما بالك يا سيدي؟ تبدو… غير راضٍ."
أعاد آيرون السيف إلى غمده ببطء، وصوته هادئ لكنه يحمل ثقلًا غريبًا:
"لا شيء… فقط لا أجد ما أبحث عنه."
تبادل الحراس النظرات، ثم سأل أحدهم:
"وماذا تبحث عنه يا سمو الأمير؟"
نظر آيرون إليهم نظرة باردة، ثم قال:
"أريد أن أجد شخصًا… يستطيع أن يكون قويًا."
سكت لحظة، ثم أكمل بصوت منخفض:
"أريد أن أجد من يستطيع هزيمتي."
لم تكن جملة غرور…
كانت حقيقة يعرفها الجميع:
آيرون فالكر قوي لدرجة أن كل خصومه يسقطون قبل أن يشعر حتى بالحماس.
ولهذا… كان يبحث عن شيء واحد فقط:
ندٌّ يستحق أن يرفع سيفه أمامه.
