Ficool

Chapter 1 - الفصل الأول: أم الحرب وظلّهاقبل عشرة آلاف

الفصل الأول: أم الحرب وظلّها

قبل عشرة آلاف عام...

في عصر مخاضٍ عسير، حيث كانت الفوضى تخيط العالم بخيوط من نار ودم، تزاحمت المخلوقات على مسرح الوجود: البشر، الألف، الشياطين، والتنانين. لم تكن الحياة سوى ساحة معركة دائمة، وكل كيان يطمح إلى الهيمنة، تاركًا الضعيف فريسة سهلة للفناء. وفي قلب هذه الجحيم، كان البشر، الأكثر هشاشة، يتساقطون كأوراق الخريف، دون أن يجدوا من يلملم جراحهم أو يرد عنهم عدوانًا.

لكن اليأس لا يدوم إلى الأبد. من رحم المعاناة، بزغ فجر جديد، وولدت أسطورة غيّرت مسار التاريخ: أرغانيا.

لم تكن أرغانيا مجرد ساحرة تستخدم التعاويذ؛ لقد كانت معجزة بشرية استثنائية. عقلها الاستراتيجي الفذ وروحها القيادية الفريدة جعلا منها قائدة حرب لا تُشق لها غبار. استطاعت، بذكائها النادر وشجاعتها الأسطورية، أن توقظ القوى الخام الكامنة في بني جنسها، وأن تحول الضعفاء إلى جيش لا يُقهر. كل تعويذة ألقتها، كل خطة رسمتها، كانت تهدف إلى قلب موازين القوى.

بقيادتها الملهمة، انتصر البشر على الألف في معارك كانت محسومة لصالحهم، وأذاقوا التنانين والشياطين، الذين راهنوا على فناء الجنس البشري، مرارة الهزيمة. لُقبت بـ "أم الحرب والمصير" ، وخُلد اسمها في سجلات التاريخ كالساحرة التي صنعت المعجزات، والتي علمت البشر أن يقفوا شامخين في وجه كائنات تفوقهم قوةً ومكرًا.

بفضلها، تشكلت نواة أولى لحضارة بشرية في خضم الفوضى، حضارة قامت على أسس السحر والعقل والشجاعة. كان إرثها خالداً، تتناقله الأجيال كقبس من نور في ظلام دامس.

---

بعد عشرة آلاف عام... في أكاديمية ميلوري.

كان كايل كوستراف يسير وحيدًا في أروقة الأكاديمية الواسعة، تاركًا خلفه همساتٍ لا تنتهي ونظرات مثقلة بالكراهية والخوف. كان يرتدي قفازات سوداء طويلة تخفي كل شبر من يديه، وزيّ الأكاديمية الرسمي الذي لم يستطع إخفاء نحافته المفرطة وضعفه الظاهر. لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو قناعه الغريب، الأجوف، عديم الملامح، دون فتحة للعينين أو الأنف، قناع أحكم إغلاقه لدرجة أن أقوى تعاويذ الرؤية في العالم ارتدت عنه خائبة، عاجزة عن كشف ما يخفيه تحته.

أمسك كايل بكتاب تاريخي قديم، يتصفحه باهتمام بالغ. كان الكتاب يحكي قصة أرغانيا، ملحمة نشأة البشر. تنهد بعمق، وهمس لنفسه بصوت خفيض:

– يا له من كتاب شيق... أن تكون سليلًا لهذه الأسطورة، وتعيش في ظلها.

من خلفه، تسللت الهمسات كالثعابين السامة:

– هذا هو كايل كوستراف.

– أتقصد غريب الأطوار؟ سمعت أنه شرير ومجنون.

– بل هو مشوه الخلقة! عيونه كعيون الشياطين، وأسنانه كأنياب الوحوش. لهذا يخفي وجهه خلف هذا القناع البشع.

استمع كايل إلى تلك الهمسات، فابتسم ابتسامة مريرة تحت قناعه. قال في قرارة نفسه، وكأنه يخاطب روحه المعذبة: "اه، ما زالت هذه الشائعات السخيفة تتناقل؟ لكن... هذا أفضل. الأفضل أن يبقوا جاهلين، بعيدين عني. كلما زاد جهلهم، زاد أمانهم مني." لكنه أحس بألم حاد يجتاحه، فعض على شفته بشدة كتمًا لوجعه. استدرك سريعًا: "توقف عن هذا الغباء... أنت تعرف الحقيقة جيدًا. الحقيقة مؤلمة، والجهل دواءها. كثرة المعرفة لا تجلب لصاحبها سوى المتاعب." اعتاد الجميع على رؤيته هادئًا، بارد المشاعر، متيبس التعابير، لكن وراء هذا الهدوء المبالغ فيه كانت تختبئ أسرار لا تعد ولا تحصى.

توقف كايل فجأة أمام باب عملاق يبدو كبوابة إلى كون آخر. مد يده ببطء شديد، ودفع الباب. انهمر ضوء قوي كفيل بإعماء أي كان، لكنه سرعان ما تلاشى ليكشف عن قاعة امتلأت بالطلاب الجدد، يتبادلون أطراف الحديث بين الجاد والسخيف. وما إن لمحه أحدهم حتى التفت نحو الآخرين:

– إنه هنا!

في لحظة، توقفت كل الأحاديث، وتحولت القاعة إلى صحراء مقفرة من الأصوات. اتجهت كل الأنظار نحوه، نظرات مترقبة، حاقدة، بل وحتى كارهة. ابتسم كايل بسخرية: "يبدو أنني كمن قتل قتيلاً وحضر جنازته."

من أسفل القاعة، ارتفع صوت متعجرف:

– إذن، هذا هو من تسمونه بالشيطان والوحش؟ يبدو لي كبطة خائفة!

وقبل أن يكمل كلماته، دوى صوت حاد من المنصة:

– الجميع إلى مقاعدهم!

جلس كايل في مقعد خلفي، وما هي إلا لحظات حتى أصبح الصف الذي أمامه وخلفه خاليًا تمامًا، وكأن وباءً يحيط به. استغرب كايل للحظة، لكنه سرعان ما تجاهل الأمر.

من على المنصة، بدأ الصوت يتحدث من جديد:

– مرحبًا بكم أيها الطلاب الجدد. أنا مورغانا إيروزي، مديرة هذه الأكاديمية وساحرة من الفئة SSS، المستوى الخرافي. أنتم الآن في أكاديمية ميلوري، أكبر أكاديمية لتعليم "المستيقظين" في القارات الخمس. هنا سنعلمكم كيفية...

لكنها لم تكمل. فجأة، انفجرت ضحكة عالية من الخلف. نظرت مورغانا نحو مصدر الصوت، لترى كايل كوستراف منفجرًا من الضحك. تغير لونها، وارتعشت يداها وهي تهتف بصوت مبحوح:

– كايل كوستراف! تبا، ليس الآن! ليس وقت ظهور ذاك اللعين... أيها الطلاب، مهما حدث، لا تنفذوا ما يقوله، هل فهمتم؟!

كانت ترتجف من الخوف وهي تقول ذلك، مما زاد رعب الطلاب حيرةً وخوفًا.

قبل هذا الموقف بخمس دقائق...

كان كايل في المقعد الخلفي يعاني من طنين مزعج في رأسه وصوت يصرخ في أعماقه:

– دعني أخرج! اليوم هو دوري!

– ظهورك الآن سيجلب لنا المشاكل فقط، يا نيون. أطعني لمرة واحدة فقط. رد كايل بصوت متألم.

– لا يهمني! إنه دوري! أجابه الصوت ببرودة قاتلة.

وفجأة، توقف جسد كايل عن الحركة. وضع يديه على رأسه، ثم ارتفعت ضحكة هستيرية جديدة، لكنها هذه المرة مختلفة... مجنونة.

التفت الجميع نحو كايل الذي نهض واقفًا وقال بارتياح وبرود غريبين:

– مرحبًا بكم... أيها الرفاق.

كانت مورغانا ترتجف على المنصة، وتهمس بصوت مرتعش:

– سنموت جميعًا...

تابع "كايل"، أو بالأحرى من استحوذ على جسده:

– أنا اسمي نيون. تمنوا ما تريدون، ولكن تذكروا... التمني ثمنه باهظ. ليس عليكم أنتم أن تدفعوه، بل علي أنا.

قبل أن يكمل، جاء صوت من بين الطلاب حازمًا لكنه حنون:

– ما هذا الهذيان يا مجنون؟ أتظن نفسك مصباح علاء الدين؟

رد نيون بسخرية:

– بما أنك تشك، جرب! ولكن تذكر أن تتمنى ما يمكنك أنت والعالم تحمله.

رد الصوت بتهور:

– حسنًا. أتمنى أن تعطيني قلبك وتصنع منه فطيرة!

لم يتردد نيون للحظة. غرس يده في صدره، وأخرج قلبه من الجهة الأخرى، وانتزعه من مكانه. في غمضة عين، تحول القلب إلى فطيرة ساخنة قدمها لصاحب الصوت قائلاً بجنون:

– فطيرة بقلب... جاهزة، بالهناء والشفاء.

صرخ الطالب مذعورًا تحت أنظار الجميع المرتعبة:

– هذا جنون! لا أصدق! هل أنت بخير؟!

أجابه نيون ببرود:

– لا تقلق، أنا بخير. الآن كُل الفطيرة، والعواقب ستكون وخيمة.

– هل أنت مجنون؟! أتريدني أن آكل قلب إنسان؟!

– نعم، ولم لا؟ صدقني، طعمه أحلى من كل الحلويات التي تحبها.

عندها، تذكر الجميع وجود مورغانا، التي صرخت من على المنصة:

– توقف يا... كايل! أم هو نيون؟! أيهما أنت؟! توقف فورًا!

التفت إليها نيون بلا مبالاة:

– ومن سيوقفني؟ أنتِ؟

ترجته مورغانا:

– أرجوك... توقف.

– لا أريد. ما زالت هناك عشرة أمنيات.

صرخت مورغانا في الطلاب:

– اسمعوني أيها الطلاب، مهما حدث، لا تتمنوا أي شيء خارج عن الطبيعة!

– سمعتم العميدة، تمنوا ما تريدون الآن...

وقبل أن يكمل، انفتح الباب الرئيسي بعنف. دخلت فتاة ذات شعر أسود طويل، وعيون حمراء متقدة بالحياة والقسوة في آن، ووجه كوجه الملائكة. صاحت بصوت آمر:

– توقف فورًا!

نظر إليها نيون للحظة، ثم انطلق يجري نحوها كالطفل المشتاق:

– أختي! أختي! جيسيكا!

ركع أمامها وهو يلهث، وبدأ يتحدث بسرعة:

– أختي، لقد نفذت أوامرهم ورغباتهم. لقد كنت فتىً جيدًا. انظري، إنهم سعداء الآن. أليس كذلك؟ هل... هل سأحصل على مكافأة؟ عناق؟ أو حتى تربيتة صغيرة على رأسي؟

اغرورقت عينا جيسيكا بالدموع، وقالت بصوت هادئ مليء بالحنان:

– لا بأس... لقد كنت فتىً مطيعًا. نم الآن.

ارتعش نيون:

– لا أستطيع... لم تنتهِ الأمنيات بعد.

– كم أمنية نفذت؟

– أربع... وبقي ستة، همس بخجل.

التفتت جيسيكا إلى الطلاب، وقالت بصوت حازم:

– سمعتموه. تمنوا ما تريدون، لكن أرجوكم، لا تتمنوا أمورًا خارجة عن السيطرة. الشخص الذي أمامكم يعاني من اضطراب، ولا يفرق بين الصواب والخطأ.

اعترض أحد الطلاب بغطرسة:

– ومن أنتِ حتى تتكلمين وكأنه ملكك؟

في لحظة، تغير كل شيء. اختفت نبرة نيون المجنونة، وعاد الصوت ليصدر من خلف القناع، لكنه كان مختلفًا... جليدياً، قاتلاً. كان كايل نفسه. نظر إلى الطالب نظرة واحدة من خلف قناعه، كانت كفيلة بتجميد الدماء في عروق الجميع.

قال بصوت لا يُحتمل:

– أوامر جيسيكا هي قانون سائد. لا يجب أن تخاف أو تعارض. عقوبة العصيان... الإزالة التامة.

وفجأة، اختفى الطالب من مكانه. صاحت جيسيكا:

– أيها المجهول!

أجابها الصوت الجليدي نفسه:

– نعم، أختي.

– أرجعه من العدم... الآن.

– لماذا؟ لقد خالف القانون السائد.

– أرجعه. هذا أمر.

– حسنًا... أختي.

طقطق "المجهول" بأصابعه. بصوت طق خفيف، عاد الطالب ليظهر ملقىً على الأرض، يرتجف كالعصفور المبلول بالمطر، يردد بصوت متهدج:

– أين أنا؟... من أنا؟! لماذا؟! أرجوكم أعيدوني! أرجوكم!

صرخ الجميع في وجه كايل:

– أيها الوحش! ماذا فعلت به؟!

أجاب المجهول بهدوء مخيف:

– اه، لا تقلقوا. أنا لم أفعل به شيئًا. الزمن هو من فعل.

– ماذا تقصد؟!

– المكان الذي كان فيه يخضع لقوانين زمنية مختلفة. ثانية واحدة هنا... تعادل مليون سنة هناك.

– وكيف لإنسان أن يعيش مليون سنة دون أن يكون متعاليًا؟!

– قواعد الفيزياء هناك مختلفة. الجسد والروح يتجمدان، لا يكبران ولا يشيخان. يبقى الوعي فقط. الوعي هناك هو من يكبر ويشيخ، ويصل به الأمر إلى الجنون. تخيلوا مليون سنة في فراغ مطلق... لا شيء سوى أنت وأفكارك.

– أين نيون؟! سألت جيسيكا بقلق.

– ذلك المجنون؟ لا تقلقي، إنه نائم. لقد نام من التعب.

– نيون يتعب؟! هذا مستحيل!

– لقد سهر الليلة الماضية يحاول تخفيف الأعراض... همس بصوت بالكاد سمعته جيسيكا.

تنهدت جيسيكا بارتياح:

– حسنًا.

فجأة، تغيرت نبرة الصوت مرة أخرى، وعاد الصوت الهادئ لكايل:

– جيسيكا... هل نذهب إلى الغرفة؟ أنا متعب.

ابتسمت جيسيكا بحب:

– كايل... هل هذا أنت؟

– نعم.

وبينما كان الأخوان يغادران القاعة،ارتفع صوت مورغانا المبحوح، ليلقي بكلماته كالصاعقة على رؤوس الجميع:

– اه... لقد نجونا. لولا وجود جيسيكا هنا، لما خرج معلمنا سالمًا. لقد كنا على موت محقق هذه المرة. لو ظهر ذلك الوغد الآخر... لذا منا... لما بقي منا أحد على قيد الحياة.

قهقهت باكية:

– آه... آه... تبا لهذا! أعتقد أنني سأستقيل. لا أخطط للموت وأنا لا أعلم على من ولماذا!

صاح أحد الطلاب:

– لا شك أنك تمزحين! أنتِ أقوى ساحرة في العالم، يمكنك إيقافه بسهولة!

نظرت إليه مورغان بنظرة فأر رأى تنينًا لأول مرة، وقالت بصوت متهدج:

– أوقفه؟! لو استخدم ذلك المجنون واحدًا في المئة فقط من قوته، لمسح كل المخلوقات على وجه هذه الأرض. وأنتِ تريدين مني إيقافه؟! أقوى هجوم لي لن يخدش حتى إصبع قدمه الصغير!

همست الطالبة "إيلا"، حفيدة أقوى السحرة:

– لطالما ظننت أن جدي هو ثاني أقوى شخص بعدك... والآن تقولين أن مجنونًا يمتلك هذه القوة المدمرة؟!

بكت مورغانا، ليس من غضب بل من قهر عميق:

– إياك أن تقولي هذا... لو عشتِ سنة واحدة فقط مما عاشه هذا الطفل الذي ترينه مجنونًا، لما كنتِ الآن هنا تتحدثين. لكنتِ مجرد جثة تتنفس بلا وعي، أو روح فقط في جسد خاوٍ. هذا ما عاشه... جحيم مستعر لا ينبض.

سألت إيلا بصوت خافت:

– شخص بقوته يعاني... ما حجم المعاناة التي تجعل كيانًا قادرًا على محو القارات يجن؟

مسحت مورغانا دموعها، وقالت بصوت المدرسة الحكيمة:

– صدقيني، يا صغيرتي، لا تريدين أن تسمعي. الجهل الذي تعيشين فيه هو نعمة لا توصف، فلا تفرطي فيها. السؤال الحقيقي ليس عن حجم معاناته، بل عن نوع المعاناة التي تجعل شخصًا مثله... هكذا. فقط تذكري هذا: الأشخاص الذين مروا بما مر به... لا يمكنك اللعب معهم. أبدًا.

---

يتبع...

More Chapters