Ficool

Chapter 37 - قانون الطاعة

حين تُشرَّع الطاعة، يصبح العصيان جريمةً حتى في قلوب من يكرهون الأمر.)

من خلف الستارة الحجرية، انكشفت قاعة العرش كاملةً أمام أعينهم، كجرحٍ مفتوح في قلب القصر.

الهواء مثقل، لا برائحة البشر وحدهم، بل بنفَسٍ آخر أقدم وأخطر.

همهمات الإنس تتداخل مع حفيف الجن، وصليل السلاح يمتزج بنبض الطلاسم المحفورة في الأعمدة والجدران، طلاسم تعمل بصمتٍ كأنها شرايين غير مرئية.

جلس رونين على العرش.

لا كوزيرٍ اغتصب مكانًا لا يخصه،

بل كملكٍ وُلد له هذا المقعد منذ البداية.

ظهره مستقيم، نظراته ثابتة، وصوته—حتى قبل أن ينطق—يفرض النظام.

في يده قلادة ذهبية تتدلّى على صدره.

لم تكن زينة.

كانت ثِقلًا.

نقوشها معقّدة، متشابكة، وكلما تحرّك أو اشتد صوته، ومضت بنورٍ حادٍّ قصير، كأنها تتنفّس مع نبض قلبه.

إلى جانبه وقف جنّي هائل، لا يُشبه غيره.

لم يكن ضخم الجسد فقط، بل ضخم الحضور.

الجن الآخرون—حتى أولئك الذين لا يعرفون الخوف—خفضوا رؤوسهم دون أمر.

كانت هيبته وحدها قانونًا.

ومع ذلك…

كان رونين واثقًا.

لم يتراجع.

لم يتردّد.

لم ينظر إلى الجني بوصفه تهديدًا، بل أداة.

ذلك الجني لم يكن مجرد حارس.

كان القائد.

ومن خلاله، تخضع بقية الجن لطاعةٍ لا نقاش فيها.

رفع رونين يده.

فسكن الجمع دفعة واحدة.

حتى الهمس انكسر.

ثم أشار إلى رجلٍ يقف عند جانب القاعة، نصفه في الضوء ونصفه في الظل، وقال بصوتٍ عالٍ، مشبع بالرضا والانتصار:

«هذا الرجل…

هو من مهد لي الطريق.

وسيكون يدي اليمنى من اليوم.»

تشنّجت الأجساد خلف الستارة.

همست سِهام بعجلة، ونبرتها تحمل يقينًا مرعبًا:

«هذا هو…

هو من كان يلاحقنا طوال الطريق.

وهو نفسه الذي كان في الخان يوم الهجوم.»

أومأ الجميع بصمتٍ ثقيل.

والأنظار تثبّتت في الرجل المنتظر.

مدّ يده،

وأنزل غطاء عباءته.

وتوقّف قلب أرام.

عِقار.

مساعده الأيمن.

صوت العقل الذي دفعه إلى العرّافة.

الوجه الذي وثق به حين بدأ كل شيء.

الرجل الذي سار خلفه دون شكّ…

ودفعه خطوةً خطوة نحو هذا الجحيم.

اندفع أرام خطوة إلى الأمام.

نسي الظل.

نسي الخطر.

نسي أين يقف.

لكن سولان أمسكه بقسوة،

وكارِم شده إلى الخلف بكل ما يملك من قوة.

همس سولان بحدةٍ لا تقبل النقاش:

«الآن… لا.»

التفت أحد رجال الجنّ، شعر بالحركة،

لكن صخب القاعة، وضجيج الطاعة، ابتلع الشك قبل أن يولد.

أكمل رونين حديثه،

يتكلم عن الاستعداد،

عن القافلة القادمة،

عن الوريث الذي سيُذبح أمام الجميع،

وكأن الدم مجرّد بندٍ في خطة.

انسحب الأربعة بصمتٍ محكم.

دخلوا أحد الأبراج الجانبية.

فتحت سِهام الباب خلال أنفاس،

وأغلقته خلفهم دون صوت.

هناك…

انفجر الغضب.

قال أرام بصوتٍ مكسور، كأن الكلمة تُنتزع من صدره:

«هو…

هو من أرسلني.»

وروى كل شيء.

العرافة.

التعجيل.

الطريق الذي بدا صحيحًا…

حتى اللحظة التي أدرك فيها أنه كان يُساق.

وقبل أن يُكمل—

برد الهواء.

ظهر الجني في الغرفة.

لا دخوله سُمِع،

ولا خروجه يُرى.

رفع أرام يده فورًا.

الخاتم لمع.

لكن الجني لم يتراجع.

قال بهدوءٍ أربكهم جميعًا:

«هذا الخاتم…

صُنع في قبيلتنا.

لا سلطان له عليّ.»

تصلّبت الأجساد.

حتى الأنفاس توقّفت.

تابع الجني، محدّقًا في أرام مباشرة:

«لا تخشَ.

أنا لا أقف مع ما حدث في سبأ.»

تردّد أرام.

لكن الجني أكمل، وصوته انخفض:

«أنا من إحدى القبائل التي كانت منها جدة ابنك.

لسنا جميعًا مع رونين.»

ثم قال الجملة التي غيّرت وزن الهواء:

«لكن… الأقوى قد تحرّر.»

لم يُشر بيده.

اكتفى بنظرة.

«القائد الأكبر.

هو الآن طوع قلادة رونين.

ومن يملكها…

يملكنا.»

ابتلع سولان ريقه.

وقال الجني بصوتٍ لا يحمل اعتذارًا:

«نحن لسنا كالإنس.

تقاليدنا تُجبرنا على الطاعة لمن يحمل رمز السيطرة.

حتى لو أمرنا بقتل من نحب.»

تقدّم خطوة.

ارتبك أرام ورفع الخاتم مرة أخرى.

توقّف الجني، وقال بوضوحٍ قاتل:

«ليس بعد.

لم يُؤمر بك.»

ثم ختم، وغرس الرعب في الصدور:

«الخاتم يحميك ممّن تواجهه.

أمّا من لا تواجهه…

فلن يحميك منه.»

ساد الصمت.

لأول مرة،

فهم أرام الحقيقة كاملة:

الخاتم ليس مطلق القوة.

والقلادة…

ليست مجرد أداة حكم،

بل قانون طاعة

لا يرحم أحدًا.

More Chapters