حين يُدفع الثمن داخل الظل… لا يعود صاحبه كما كان، إن عاد أصلًا.)
كانت الليلة خانقة داخل المخبأ الحجري الصغير تحت المنحوتة، كأن الصخر نفسه يضغط على صدورهم.
لم يكن الظلام وحده ما يخنق الأنفاس، بل الحركة التي لا تهدأ فوق رؤوسهم، حركة مدينةٍ كاملة استنفرت لأن قطعةً واحدة لم تعد.
أصوات أقدام تضرب الأرض بقسوة،
صرير دروع تحتكّ ببعضها،
همسات متوترة تتقاطع،
وصيحات تتردد من كل جهة:
«ابحثوا هناك!»
«فتّشوا الزوايا!»
«شخص لم يخرج… لا بدّ أنه هنا!»
كان العرق يتصبب من جبين أرام رغم برودة الحجر،
وسولان يضغط على فكيه محاولًا كتم أنفاسه، كأن الهواء نفسه قد يصبح خيانة،
أما تافار…
فكان صامتًا أكثر مما ينبغي، صمت رجلٍ يراجع قراره الأخير.
طال الانتظار.
تحولت الدقائق إلى شيء أثقل من الزمن،
وأي حركة غير محسوبة كانت كفيلة بكشفهم جميعًا.
عندها، كسر تافار الصمت بصوت منخفض، لكنه حاسم، كأنه لا يناقش… بل يُعلن:
«لقد حان دوري.»
التفت إليه أرام وسولان في اللحظة نفسها.
مدّ تافار يده وأخرج المفتاح الخشبي الذي حمله منذ زمن، ذلك المفتاح الذي نجا معه من طرقٍ لا تُحصى.
قدّمه إلى أرام وقال بهدوءٍ موجع:
«كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي.
إنهم يبحثون عن شخصٍ واحد…
وإن لم أخرج أنا، سيجدوننا نحن الثلاثة.»
شدّ أرام يده رافضًا، وصوته يخرج مكسورًا رغم قوته:
«لا… سنجد طريقة أخرى.»
قال سولان بعجلة، وقد اشتد صوته رغم همسه:
«لن تخرج وحدك… لن نتركك.»
ابتسم تافار ابتسامة خفيفة،
ابتسامة رجلٍ نظر في عيني نهايته، ولم يرمش.
«إن بقينا… ننتهي جميعًا.
وإن خرجتُ… تستمر أنت.»
ثم نظر مباشرة إلى أرام، نظرة لا تحمل خوفًا بل رجاءً صامتًا:
«لا أريد أن يضيع ما فعلناه،
ولا أن ينقطع طريقك هنا.»
ساد صمت ثقيل،
حاول أرام أن يتكلم…
لكن الكلمات خانته.
قال تافار وهو يستعد:
«انتظروا حتى تخف الحركة هنا.
سأخرج من الجهة الأخرى،
سأجعلهم يرونني…
وسأكون الصوت الذي يبحثون عنه.»
ولم ينتظر ردًا.
انسلّ مبتعدًا بخفة رجلٍ يعرف أن كل خطوة هي الأخيرة.
راقبه أرام وسولان من فتحة ضيقة،
رأياه يبتعد بخطوات محسوبة،
ثم يختبئ في الجهة المقابلة،
ويترك طرف ثوبه ظاهرًا… لمن يعرف كيف يدقّق.
لم تمر سوى لحظات.
«ها هنا! ها هنا!»
«لقد وجدناه!»
«إنه يحاول دخول المنطقة المحرّمة!»
تدفّق المراقبون كالسيل،
أصوات اندفاع،
أيدٍ تمسك،
صرخات تتشابك:
«تم القبض عليه! تم!»
بقي أرام وسولان جامدين.
لم يتحركا.
لم ينطقا.
ثم…
بدأ كل شيء يهدأ.
تفرّق الحراس،
تلاشت الأصوات،
وعاد السوق إلى تنفّسه المعتاد، كأن شيئًا لم يحدث.
نظر أرام إلى الأرض.
لم يقل شيئًا.
لكن قلبه عرف الحقيقة كاملة…
تافار لن يعود.
تحرك أرام وسولان بحذر بالغ، كأن كل حجر قد يكون عينًا.
تفحّصا الممرات،
وتعرّفا على النقطة التي تتفرع منها الطرق المؤدية إلى المنطقة المحرّمة.
وفي تلك اللحظة…
فُتحت الأبواب.
أُضيئت المدينة.
دخل أهل سبأ إلى منطقة التجار.
كان المشهد صادمًا في هدوئه:
ملابس بيضاء ناصعة،
وجوه ساكنة،
لا سلاح ظاهر،
يتحركون بثقة من لا يخشى شيئًا في أرضه.
كانوا يقلبون البضائع القادمة من خارج سبأ،
يتحدثون بهدوء،
لا خوف…
ولا استعجال.
همس أرام:
«إن لم نكن مثلهم… سنُكتشف.»
راقبهم سولان لحظة، ثم قال:
«نحتاج إلى ملابسهم.»
راقبا اثنين يبتعدان عن الجمع.
تحركا بسرعة محسوبة:
ضربة واحدة لكل منهما،
تقييد محكم،
واستبدال سريع للملابس.
عادا إلى السوق،
لكن حين توجها نحو البوابة…
فهما الحقيقة القاسية:
هذا الوقت ليس للدخول…
بل للخروج فقط.
ازداد الارتياب.
الخطر لم ينتهِ.
ففعلا ما فعله أهل سبأ.
تسوّقا.
شاهدا.
راقبا.
لاحظ سولان أن كثيرين يشترون أحمالًا ثقيلة:
أقمشة،
سجاد،
أحمال كبيرة تخفي أكثر مما تُظهر.
همس:
«هذا ما يخفي الوجوه.»
ففعلا.
حملا الأقمشة والسجاد،
غطّيا به رؤوسهما،
واندمجا بين الخارجين.
وحين فُتحت البوابات مجددًا…
عادا مع الآخرين،
كأنهما من أهل سبأ.
دخلا المدينة المحرّمة.
كانت واسعة…
هادئة على نحوٍ مقلق،
لا سلاح ظاهر،
كل شخص منشغل بنفسه.
ذلك الأمان أربكهما.
فالخطر هنا… لا يصرخ.
ابتعدا عن الجموع،
بحثا عن موضعٍ يلتقطان فيه أنفاسهما.
وهناك…
وجدا مغارة صغيرة خارج النطاق المباشر للمدينة.
نظر أحدهما إلى الآخر.
لم يحتاجا إلى كلام.
كانت تلك المغارة…
مخبأهما الأول داخل سبأ.
ومن هناك،
سيبدآن البحث عمّا جاء أرام من أجله،
بعد أن دُفع الثمن كاملًا…
ثمنًا من دمٍ
لا يُستعاد.
