Ficool

Chapter 21 - بوابة الحجارة السوداء

حين تقترب الطرق من الالتقاء… يبدأ الأعداء بالظهور علنًا)

بعد لقائهم بالرجل الغامض أوشان، وعبورهم وادي الصدى بأصواته التي لا تُمحى من الذاكرة، واصلت قافلة أرام سيرها لأسابيع طويلة عبر الصحراء الشرقية.

لم تعد الرمال كما عرفوها في بدايات الرحلة؛ صارت الأرض أكثر تماسكًا، والهواء أخفّ قليلًا، وبدأت التلال الصغيرة تظهر على امتداد الأفق، علامة يعرفها المسافرون بأنها إعلان غير مكتوب: أنتم تقتربون من نصف الطريق إلى سبأ.

هذه المناطق لم تكن مجرد صحراء.

كانت تُعرف بين القوافل باسم محطات التبادل، أماكن لا تنتمي تمامًا للشرق ولا للغرب، بل تقف بينهما كميزانٍ حيّ، تلتقي فيها القوافل، وتتبادل البضائع، والأخبار، واللهجات، بل وحتى الأحكام والنصائح التي قد تنقذ قافلة كاملة من الهلاك.

دخلت القافلة أول محطة كبيرة مع غروب الشمس.

مدينة بلا اسمٍ واحد، لكنها تُعرف ببوابتها: بوابة الحجارة السوداء.

كانت البوابة مبنية من صخور داكنة ملساء، كأنها احترقت منذ زمن بعيد وبقي أثر النار فيها. خلفها امتدت خانات واسعة، وبيوت حجرية منخفضة، وساحات تُذبح فيها الإبل، وتُفرد الجلود، وتُعرض التوابل القادمة من الهند والحبشة، والزيوت الثقيلة القادمة من الجنوب.

مرّ أرام ورفاقه عبر ممرات طويلة مفروشة ببُسطٍ ملونة، واختلطت في آذانهم أصوات التجار:

“أقمشة من اليمن!”

“تمور من عُمان!”

“جلود من النوبة!”

“نصال من فارس لا تنكسر!”

كان المكان حيًّا أكثر مما اعتادوه منذ أشهر.

لكن عين أرام لم تكن تلتقط الحياة…

بل الخطر.

في أحد الأركان، توقف نظره عند رجلٍ يعرض عبدين أفريقيين طويلَي القامة، مفتولي العضلات.

كانت بشرتهما الداكنة تلمع تحت شمس المغيب، أكتافهما عريضة، ظهورهما مستقيمة، وأقدامهما ثابتة على الأرض كأنها جذور شجرة لا تُقتلع بسهولة.

اقترب أرام، ونظر في أعينهما.

لم يرَ خوفًا.

رأى انكسارًا… ممزوجًا بقوة صامتة.

قوة تقول: نحن مطيعون، لكننا لسنا ضعفاء.

قال التاجر وهو يبتسم بثقة:

“هما من أبناء السافانا… لا يُهزمان بسهولة. أيهما تريد؟”

أجاب أرام دون تردد:

“كلاهما.”

دفع الثمن، ووقف الرجلان خلفه بصمتٍ ثقيل.

أطلق عليهما اسمين يليقان بهيبتهما:

أوكّانماساي

ومنذ تلك اللحظة، أصبحا جزءًا من القافلة، لا كمتاعٍ يُقاد، بل كقوةٍ تُضاف.

 

في تلك الليلة، جلس الرجال في أحد الخانات الكبيرة.

الدخان يعلو في السقف، والأضواء ترقص على الجدران الملطخة بالسواد، وأصوات القوافل تختلط بالضحك والجدال.

إلا سِهام.

لم تجلس.

ارتدت عباءة واسعة، أخفت شعرها ووجهها، وتحركت بين الخانات كما تتحرك الفكرة في رأس رجلٍ نائم.

كانت تعرف كيف تختفي، وكيف تجعل وجودها بلا وزن.

سمعت أحاديث كثيرة…

لكن حديثًا واحدًا جعل الدم يبرد في عروقها.

خلف بابٍ نصف مفتوح، همسات واضحة:

“القافلة ستمر من الباب الشمالي…”

“جهّزوا الشبك والرماح.”

“هل وصل المال؟”

“نعم… الرجل من الغرب دفع ضعف المبلغ. يريد رأس قائدهم.”

تصلبت سِهام في مكانها.

ثم أضاف صوت آخر، أخفض:

“ولا تنسوا البوابة السوداء…

الحجارة هناك تخفيكم عن العيون.”

لم تنتظر أكثر.

عادت بسرعة إلى الخان، واتجهت مباشرة إلى أرام.

قالت بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:

“هناك كمين في الباب الشمالي.

شبك، رماح، ورجال جاهزون للقتل.

والأخطر… رجل من الغرب هو من يدفع الذهب.”

ساد الصمت.

شعر أرام أن الخيوط التي تحيط به لم تعد خفية… بل بدأت تُشدّ بقوة.

 

مع الفجر، جمع أرام رجاله.

لم يرفع صوته، ولم يُظهر خوفًا.

قال بهدوء رجلٍ يعرف أن الهروب ليس حلًا:

“لن نغيّر الطريق خوفًا.

سنمر… لكن ليس كما يتوقعون.”

وضع خطة بسيطة، لكنها حادة كالنصل.

استأجر خمسة رجال من أهل الخانات، يشبهون القافلة في الهيئة.

أعطاهم بعض الملابس، وأمرهم أن يسيروا بالجمال في المسار المعتاد، وأن يُظهروا أنفسهم فقط، ثم يفرّوا فور بدء الهجوم.

أما القافلة الحقيقية…

فقد سلكت طريقًا خلفيًّا، التفّت حول الجبل، لتصل إلى خلف المنفذين.

عند البوابة الشمالية، كان ستون رجلًا يختبئون خلف الصخور السوداء.

الرماح جاهزة، الشبك مشدودة، والعيون تترقب.

اقتربت القافلة المزيفة.

صرخ أحدهم:

“الآن!”

انطلقت الشبك، وانهمرت السهام.

هرب الرجال الخمسة كما اتُّفق.

ضحك المهاجمون…

ظنوا أن الفخ نجح.

لكن الموت جاءهم من الخلف.

من أعلى الصخور، ظهر رجال أرام.

سهم نباليان اخترق صدر أول رجل.

ضربة سامر شقّت الثاني.

ريحان نثر رمال التشويش، فارتبك نصفهم.

قفز سولان بحبلٍ التفّ حول عنق أحدهم.

واندفع أوكّان وماساي كوحشين أفلتا من القيد.

أما أرام…

فلم يرفع سيفه في البداية.

كان يختار الهدف بعينيه، ثم يضرب حيث يجب.

سقط الرجال سريعًا.

أُسر اثنان.

وقبل أن ينطق الأسير الأول بكلمة…

اخترق سهمٌ طويل رأسه من بعيد،

جاء من جهة بوابة الحجارة السوداء.

سقط ميتًا في لحظته.

تجمّد الأسير الثاني، يحدق في جثة أخيه.

صرخ:

“أخي! قتلتم أخي!”

قال أرام بهدوء قاتل:

“لم نقتله… من أرسلكم قتله.”

انهار الرجل، ثم قال بصوت مكسور:

“رجل من الغرب…

عيناه كعيني الذئب…

صوته يأكل الروح.

دفع لنا الذهب… ولما خفنا التراجع، قتل أخي.”

سأله أرام:

“هل تعرف اسمه؟”

هز رأسه:

“لا… لكني سأتعرف عليه إن رأيته.”

ثم رفع رأسه، وقال:

“إن أبقيتني حيًّا…

سأقف معك.

وسأقتل من قتل أخي.”

نظر أرام إلى رجاله، ثم قال:

“من اليوم… أنت معنا.

لكن تذكّر… طريقنا لا يسمح بالخيانة مرتين.”

ركع الرجل، وضع يده على الأرض، وقال:

“أقسم بروحي… أن أكون سيفك.

اسمي غيدر… ومن الآن، هو ملكك.”

وهكذا، انضم رجلٌ جديد إلى القافلة،

مدفوعًا بثأرٍ لا ينام.

واصلت القافلة طريقها،

والصورة باتت أوضح من أي وقت مضى:

هناك من يريد رأس أرام.

هناك من يدفع الذهب.

وهناك من يعرف كل خطوة قبل أن تُخطى.

أما الرحلة…

فلم تصل بعد إلى أخطر فصولها.

More Chapters